رحيل العالم النبيل.. خالد فهمي وثُلْمة في جسد الأمة
بصائر من واقعنا
٢٤ مايو ٢٠٢٦
١٧٦ مشاهدة
13 دقيقة قراءة

رحيل العالم النبيل.. خالد فهمي وثُلْمة في جسد الأمة

إن بوفاة الأستاذ الدكتور خالد فهمي إبراهيم، أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة المنوفية، والباحث والمحقِّق والمفكِّر الإسلامي، والمتخصص في اللغويات واللسانيات، والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة دار الكتب المصرية، وعضو اتحاد كتَّاب مصر، قد تصدَّع حصنٌ مكين من حصون الأمة العربية والإسلامية.

وبوفاة الأستاذ الدكتور خالد فهمي إبراهيم، فقدت الساحة العربية والإسلامية، بمختلف توجهاتها الثقافية والأدبية والفكرية، عَلَمًا كبيرًا من أعلامها، أفنى عمره في خدمة العلم واللغة، وترك إرثًا علميًّا طيبًا سيبقى حاضرًا في المكتبة الإسلامية، ينهل منه الباحثون ويبنون عليه إلى أن يشاء الله تعالى.

لقد كان ـ رحمه الله ـ عضو لجنة الدراسات العليا والبحوث في كلية الآداب بجامعة المنوفية، وعضو مجلس كلية الآداب بالجامعة، ورئيس التحرير التنفيذي لمجلة بحوث كلية الآداب بالجامعة، ومستشارًا بمجلة بحوث كلية التربية.

لقد تصدَّع حصنٌ مكين من حصون الأمة العربية والإسلامية بوفاة الأستاذ الدكتور خالد فهمي

وليس كل ذلك فحسب، فلقد أشرف على عشرات الرسائل العلمية (ماجستير ودكتوراه)، وقام بتحقيق العديد من الكتب، من أشهرها: خصائص اللغة للثعالبي، كما قام بتأليف ستين مؤلفًا، كان من أشهرها:

مباحث في فقه لغة القرآن الكريم.

أسماء النبي ﷺ.. دراسة لغوية في المنهج والبنية والدلالة.

تراث المعاجم الفقهية في العربية.

مدخل إلى التراث العربي الإسلامي.

كأن القرآن يتنزَّل من جديد.

إسرائيل واللسان العربي: رحلة التوظيف من احتلال الأرض إلى اختراق الوعي.

وعلاوة على كل ما سبق، كان ـ رحمه الله ـ يجوب محافظات مصر وأقطار العالم العربي والإسلامي، مناقشًا ومحاضرًا ومشاركًا.

أ. د. خالد فهمي
الباحث والمفكر/ أ. د. خالد فهمي 

وفاة الأستاذ الدكتور خالد فهمي.. جرح لا يندمل وثُلْمة لا تلتئم

إننا لا نبالغ إذا قلنا إنَّه بوفاة الأستاذ الدكتور خالد فهمي إبراهيم قد انطفأ سراجٌ طالما اهتدت به الأجيال في طريقها نحو الهوية الإسلامية الراشدة، والوطنية الصادقة، والوعي الناضج، والأخلاق الراقية السامية.

سراجٌ عزَّ على الزمان أن يأتينا بمثله خلال عقود، إلا أن يتغمدنا الله برحمته.

إن الثلمة التي ستحدث بعد وفاة الأستاذ الدكتور خالد فهمي إبراهيم ستظل شرخًا عميقًا في صرح الأمة، إلى أن ينهض أحد تلامذته الأوفياء النجباء ـ وهم كُثُر ـ برأبها.

ولِمَ لا، وهو في مشوار حياته الذي بلغ ستةً وخمسين عامًا (مواليد 1970م)، وكانت آخر محطاته يوم الثلاثاء 2 ذو الحجة 1447هـ الموافق 19 مايو 2026م، قد قدَّم للأمة إرثًا لم يقدمه عشرات ممن هم في منزلته، ولا نزكي على الله أحدًا.

ولِمَ لا، وهو الذي قضى حياته يذود عن حياض اللغة العربية والهوية الإسلامية!

ولِمَ لا، وهو الذي أفنى عمره حارسًا أمينًا لجناب اللغة، وأحد سدنتها الغيورين على حرمها!

ولِمَ لا، وهو الذي كان نقَّادةً جهبذًا، علَّامةً، حرًّا كريمًا، ليس الذلُّ صناعته، ولا الملقُ مسلكه، قويَّ الحُجَّة، صادق العبارة، نافذ البصيرة، موسوعيَّ الفكر، ثريَّ العطاء والبذل؛ إذا تكلَّم أفاد، وإذا ناقش أجاد، يكسو العلم مهابةً، ويخلع على العربية جلالًا!

ولِمَ لا، ولم يكن تواضعه الجمُّ يخفى على القاصي والداني، ولا على شانئيه قبل محبيه!

ولِمَ لا، وهو الذي أسر القلوب بأدبه الرفيع، وأسر العقول بعلمه الغزير!

ولِمَ لا، وهو ـ بالرغم من علوِّ كعبه في العلم ـ قريبَ المجلس، طيِّب المعشر، يأنس به جليسه، ويألفه طلابه!

ولِمَ لا، وهو الذي كان شديد الغيرة على لسان العرب، صادق الانتصار للفصحى، لا يملُّ من خدمة علومها، وقد سخَّر عمره للعلم تعليمًا وتأليفًا وبحثًا، حتى غدا اسمُه مقرونًا بالتحقيق والإتقان!

ولِمَ لا، وفقدُه موجع، ورحيله خسارة كبيرة للساحة العلمية والإنسانية، غير أن عزاءنا في سيرته العطرة، وفيما خلَّفه من علم نافع، وأثر كريم، وذكر طيب لا يغيب.

كان الأستاذ الدكتور خالد فهمي شديد الغيرة على لسان العرب، صادق الانتصار للفصحى، لا يملُّ من خدمة علومها

أحسب الأستاذ الدكتور خالد فهمي من أولياء الله، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: 41].

جاء في تفسير الطبري: وقال آخرون: (ننقصها من أطرافها) بذهاب فقهائها وخيارها.

وفيه، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "ذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها"

وعن مجاهد قال: "موت العلماء"

وعن الحسن البصري قال: "كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار"

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (صحيح الترمذي).

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

إذا ما مات ذو علم وتقوى :: فقد ثُلِمت من الإسلام ثُلْمة

وموت الحاكم العدل المُولّى :: بحكم الشرع منقصة ونقمة

وقال الشاعر السوداني محمد المهدي المجذوب:

بكينا وفاءً لامرئ قلَّ أن يُرى :: له في الدعاة العاملين نظير

فخلوا ملامي إن ألحَّ بي البكا :: فإن فراق الصالحين عسير

وقال الشاعر اليمني محمد بن حمير الهمداني:

لعمرك ما الرزية هدم دار :: ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية موت حرٍّ :: يموت لموته بشر كثير

نبل متدفق وإنسانية غامرة

مما عُرف عن الأستاذ الدكتور خالد فهمي ـ رحمه الله ـ أنه كان يُحسن توظيف وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة عجيبة؛ فتراه يهنئ هذا، ويواسي ذاك، بالإضافة إلى النصيحة التي تجبرك على تقبلها دون تردد:

أولًا: لأنها نصيحة من قامة مهذبة وراقية.

ثانيًا: لأن الأخذ بنصيحته يختصر الوقت والجهد على متلقيها.

لم يغب الفقيد ـ رحمه الله ـ يومًا عن التفاعل الواعي مع أحداث الأمة، ومن بعدها أحداث الوطن.

تراه يكتب جملة واحدة في قضية ما، فتكون هذه الجملة هي القول الفصل والضالة المنشودة للجميع، كالنطاسي الذي يهوي بمبضعه على أصل الداء فيجتثه من جذوره.

أو تراه ينشر صورة يصيب بها كبد الحدث، فتكون أبلغ من مقال.

من أقوال الأستاذ الدكتور خالد فهمي إبراهيم قبل وفاته:

"الموت فيصل. يموت المرء فيستريح، أو يُستراح منه، والناس شهود على هذا وذاك. يرحل الظالم المعتدي، فتكون ألسنة الخلق التي طالما سكتت رهبًا منطلقة من عقال خوفها، فيقولون ما لم يكن بمقدورهم أن يقولوه.

إننا نوشك أن نرى مقاعد بعض هؤلاء الموتى من النار، وليس بوسعهم الآن أن يستعملوا سلطتهم التي طالما وظفوها فعسفوا بكثير من المظلومين.

الله أكبر ساعة خلق الموت باب أمل ينفتح ليربط على قلوب المقهورين، ثم يكون يوم القيامة حيث ينجو المظلومون ولا ينجو الظالمون!"

ومن أقواله أيضًا:

"الموت نقَّاد! فلا عجب أن يبقى واحد مثلي حيًّا."

ومن أقواله كذلك:

"أقصى ما يمكنني تحصيله بعد الموت أسبوع حزن ممن حولي عليَّ إن حصل، ثم ينشغل الجميع عني."

ترجل الفارس، فترك خلفه جرحًا لا يندمل، وذكريات لا تُنسى، وحزنًا عميقًا

ترجل الفارس

ترجل الفارس عن صهوة الحرف، بعد أن أمسك بلجام اللغة عقودًا حبًّا وشغفًا واحتسابًا، فألِف اللغة وألِفته، وأغدقت عليه من خزائن أسرارها، وأعطته ما لم تعط غيره، كأنها كانت تعلم أن القدر لن يمهله طويلًا.

ترجل الفارس مُقبلًا غير مُدبر، بعد أن أفرغ كل ما في جعبته، وبعد أن أثخن في جسد شانئيه، وبعد أن قدَّم لله من نفسه خيرًا، ليكون نعم المثل لتلامذته ومحبيه.

ترجل الفارس، فترك خلفه جرحًا لا يندمل، وذكريات لا تُنسى، وحزنًا عميقًا.

رثاء مستحق

رثاه الأستاذ الدكتور وصفي أبو زيد، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية، فقال:

"ما أقسى أن يرحل الإنسان فجأة وهو ما يزال حاضرًا في تفاصيل العمر، قريبًا من الذاكرة إلى هذا الحد، وما أوجع أن يتحول من كان يملأ الحياة دفئًا وأنسًا وحديثًا إلى خبر ثقيل يزلزل القلب زلزلة!"

وقال أيضًا:

"... كان من أولئك الذين لا يصنعون حول أنفسهم ضجيجًا، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا في الأرواح؛ عالمًا جادًّا، محبًّا للعربية، وفيًّا للبحث الرصين، مترفعًا عن التفاهة، مؤمنًا بأن العلم رسالة، وبأن الأخلاق جزء من قيمة العالم لا أمر زائد عليه.

وفي زمن يكثر فيه الادعاء، كان هو صادقًا بلا تكلف، نقيًّا بلا تصنع، وإنسانًا كبيرًا في بساطته قبل علمه."

ونعاه مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فجاء في النعي:

"ننعي الأستاذ الدكتور خالد فهمي، الأستاذ بجامعة المنوفية، والخبير بالمجمع، الذي وافته المنية مساء اليوم، بعد رحلة من العطاء العلمي أثمرت أكثر من ستين كتابًا منشورًا.

نسأل الله للفقيد أن يرحمه بواسع رحمته، وأن يدخله فسيح جناته، ولمحبيه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون."

اللهم إنا نشهدك أن الأستاذ الدكتور خالد فهمي إبراهيم لم يُقصِّر يومًا في بذل جهد يخدم به الإسلام، ولم يمالئ ظالمًا، ولم يداهن على حساب مبدأ؛ فتقبل اللهم شهادتنا فيه.

اللهم كما زيَّنته في الدنيا بحسن الخلق، فزيِّنه في الآخرة بنعيم الرضا والرحمة، واجعل علمه نورًا يضيء له قبره، ونورًا له على الصراط.

اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اجزه عن الأمة خير الجزاء، وعوضنا عنه خيرًا، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله، اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.

اللهم اخلفه في أهله وولده بخير ما خلفت به عبادك الصالحين.

تاريخ النشر: ٢٤ مايو ٢٠٢٦ في ١٠:٢٦ ص

آخر تحديث: منذ 3 ساعات

مختارات من بصائر من واقعنا

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة