لله دَرٌّك يا "قسَّام" من أي طين الأرض خلقت يا رجل!! (1-2)
بصائر من واقعنا
منذ 12 يومًا
٨٩ مشاهدة
16 دقيقة قراءة

لله دَرٌّك يا "قسَّام" من أي طين الأرض خلقت يا رجل!! (1-2)

قلائل هم الذين فرضوا على التاريخ أن يُخلِّد أسمائهم ويذكر مشوار حياتهم بأسطر من نور، ومن بين هؤلاء القلائل الذين عز الزمان أن يجود بمثلهم "الشهيد عز الدين القسَّام" الذي عندما تقرأ عن سيرته ومشوار حياته فكأنك تقرأ عن رجل من جيل الصحابة أو من جيل التابعين!!  

ولم لا، وقد استطاع "القسَّام" بما حباه الله تعالى من صفات وبما منحه من عطايا وهبات، أن يُغيِّر مجرى التاريخ، وأن يفتح أبواب الأمل، وأن يسكب في قلوب المخلصين وقود التضحية ولهيب الجهاد. 

ولم لا، والقسام قد وهب كل حياته وسخَّر كل إمكانياته لخدمة الأمة وصيانة كرامتها المٌستباحة وعزها المَهيض. 

مما قيل في وصف "الشهيد عز الدين القسَّام" أنه كان رِبْعةً، على شيء من النحول الذي يُوحِي بكثير معاناة، تحس وأنت ترنو إليه أن روحه تعمل في جسده كما يعمل السَّيف في غِمده، امتزجت في عينيه حِدّةٌ أقرب إلى الشراسة.. مع حزن عميق، دقيق، يغتسل بفرح طفولي سمْح. 

أولاً: الميلاد والنشأة والتعليم 

ولد الشيخ محمد عز الدين بن عبد القادر بن مصطفى القسَّام في 20 من نوفمبر1882م في بلدة (جبلة) في محافظة اللاذقية بسوريا. 

نشأ الشيخ القسَّام في أسرة عُرفت بالعلم والتقوى، فوالده هو الشيخ عبد القادر مصطفى القسَّام كان من المشتغلين بعلوم الشريعة الإسلامية، ووالدته (حليمة قصَّاب) كانت من أسرة عريقة في بلاد الشام. 

لقد كان للبيئة التي نشأ فيها القسَّام أثراً كبيراً في صياغة وتكوين شخصيته، حيث تشرَّب مفاهيم وقيم عائلته المنبثقة من الدين، وهذا ما جعل نبوغه يظهر سريعًا. 

تلقى القسَّام دراسته الابتدائية في كُتَّاب بلدته، ولكونه شغوفاً بتحصيل العلم سافر هو ومجموعه من أقاربه ورفاقه إلى الأزهر الشريف لطلب العلم هناك، وكان ذلك  سنة 1896م.  

عندما كان القسَّام في مصر تأثر بكبار العلماء منهم الإمام محمد عبده، والشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ رشيد رضا، كما تأثر بأخبار الثورات العربية السابقة كثورة عرابي، ورأى المحتل الإنجليزي وما يفعله في مصر. 

عاد القسَّام إلى قريته "جبلة" حاملاً شهادته من الأزهر الشريف عام 1903، وعُيِّن مدرسًا للجامع الكبير في "جبلة".  

بعد فترة من إلقاء الدروس والمحاضرات في مسجد القرية قرر الشيخ القسام السفر إلى تركيا للتعرف على الأساليب الحديثة في التعليم والتعلم من أجل إيجاد جيل جديد يعرف حقوقه وواجباته تجاه دينه ووطنه وأمته. 

وحين عاد القسَّام من تركيا تولى خطابة الجمعة في "مسجد المنصوري" ببلدته، ومن خلال الخطب والدروس والمحاضرات استطاع أن ينقل أهل قريته نقلة كبيرة نحو فهم الإسلام بمفهومه الشامل والصحيح، مما جعل صيته ينتشر في البلدان المجاورة، فكثر أتباعه وعظم شأنه. 

لم يكتف القسام بكل ما فعل بل أخذ يتناول في خطبه الأحوال السائدة في البلاد والتغيرات السياسية بها مما أغضب قوات الاحتلال البريطاني؛ لأنه فاجأهم بعرض جديد للدين لم يكونوا يتوقعون أن يجرؤ أحد على التطرق إليه، فعبادة العُبَّاد الزهاد غير عبادة المجاهدين، وهذا ما جعل قوات الاحتلال البريطاني تضع القسَّام تحت المراقبة وتحصي عليه حركاته وأنفاسه ويُحاسَب على أقواله وأفعاله حيث كان القسام يتحرك بين العمال والفلاحين والباعة الجائلين، يمحو أميتهم، ويعلمهم مبادئ دينهم، ويغرس فيهم ما يحملّهم المسؤولية تجاه الدين وتجاه الوطن، كل ذلك على مسار حياته في المسجد وفي البيت والحفلات العامة... الخ. 

ثانياً: دور القسام في سوريا بعد عودته من مصر 

عندما عاد القسام إلى سوريا بعد حصوله على الإجازة العالمية بدأ حياة مليئة بالبذل والتضحية والجهاد، ليجعله الله سبباً في تغيير واقع الأمة! 

كما حلّ القسام محل والده واشتغل بتحفيظ القرآن الكريم، جنباً إلى جنب مع تدريس العلوم الحديثة والخطابة. 

قام القسام بمحاربة البدع التي نشرتها الطريقة القادرية والبهائية والقاديانية فتم اتهامه بالوهابية، وهذا ما جعله يقول في كتابه "النقد والبيان": "النزعة الوهابية هي حجة العاجز لترويج الباطل وإضاعة الدين". 

ونتيجة لما بذله من جهود لنشر مبادئ الدين الإسلامي وإحياء روح الجهاد والقضاء على الطبقية السائدة في المجتمع تم نفي القسام إلى بلدة أزمير التركية.  

ثالثاً: القسام ومشوار النضال ضد المحتلين 

عندما قامت الحرب العالمية الأولى تطوع القسام في الجيش العثماني لمقاومة القوات الإنجليزية وهذا ما جعله خبيراً في استعمال السلاح. 

وعندما حاصر الإيطاليون "طرابلس" بليبيا سنة 1911م ثارت ثائرة القسام فخطب في الناس وحثهم على الجهاد بالمال والنفس فاستجاب له حشد غفير من الناس فاختار منهم 250 مجاهداً وانطلقوا عن طريق ميناء الإسكندرونة التركية، لكن تم منعهم من السفر، فسافر القسام سراً، والتقى بالشيخ عمر المختار، وأعطاه ما معه من تبرعات. 

وعندما قامت الثورة العربية ضد العثمانيين عام 1916م لم يشارك القسام فيها واعتبرها خطأ تاريخياً وقع فيه المتحمسون العرب، وصدقت رؤية القسام حيث وقع ما حذر منه؛ فبعد التخلص من العثمانيين قامت قوات الاحتلال بتنفيذ "اتفاقية سايكس بيكو" التي وضعت الحدود بين الدول العربية من أجل تفريقها وإضعافها. 

وعندما تم توقيع "اتفاقية سايكس بيكو" كان القسام أول من رفع لواء المقاومة وقال: "ليس المهم أن ننتصر.. المهم قبل كل شيء أن نعطي من أنفسنا الدرس للأمة وللأجيال القادمة". 

ولكي يعطي القسام القدوة من نفسه قام ببيع منزله واشترى بثمنه أسلحة، كما قام بإنشاء قاعدة عسكرية بين الجبال لتدريب المنضمين للمقاومة على استخدام السلاح، وكان شعار القسام الذي رفعه في وجه الاحتلال هو (لا وصاية ولا حماية). 

ونتيجة لما بذله القسام من جهود توعوية وتعبوية قامت السلطة الفرنسية بمساومته لتثنيه عن الجهاد بتوليته القضاء إلا أنه رفض المساومة وخاض ضد الفرنسيين معارك ضارية في "جبال اللاذقية"، مما جعل هدفهم الأول هو التخلص من القسام فأصدروا حكماً بإعدامه. 

رابعاً: القسام يغادر سوريا إلى فلسطين 

بعد الحكم على القسام بالإعدام وتشتت المجاهدين، قرر القسام مغادرة سوريا إلى "حيفا" بفلسطين عام 1920م ولحقت به أسرته بعد ذلك. 

عندما وصل القسام إلى حيفا كان قد شارف على الأربعين من عمره، وكان قد توفرت لديه الكثير من التجارب التربوية والجهادية وخبرة كبيرة في أساليب الدعوة وقيادة الجماهير. 

ساعدت الأحداث في "حيفا" على إقبال الناس على القسام وبلغت ثقتهم به إلى أن ألقوا مقاليد أمورهم إليه واقتدوا به. 

كانت رؤية القسام تدرك أبعاد المشروع الصهيوني وخطورته، كما أدرك عبثية الوسائل السلمية في مقاومة العدو الصهيوني بعد تجربته مع الفرنسيين، لذلك أعلن القسام أن الجهاد هو وحده الحل لوقف أطماع اليهود. 

خامساً: دور القسام الدعوي والجهادي في فلسطين 

بدأ القسام بالتقرب من البسطاء خاصة الشباب منهم، وحرص على تعليمهم وزيادة الوعي لديهم وذلك عن طريق فصول محو الأمية. 

كان القسام يقول: "إني أرجو خيراً من الفلاحين والعمال، فهم واثقون بالله مؤمنون بالجنة، وهم أقرب للتضحية وأجرأ، وهم أقوى بنية وأكثر احتمالاً للمشاق"، وهذا جعله يوجه خطابه للمنحرفين ليقينه أن جرأة السارق والقاتل والمنحرف قابلة للتحول إلى شجاعة حقيقية وطاقة نافعة إذا ما ارتدع هذا المنحرف عن غيِّه وآمن بالله وبالجهاد في سبيله. 

أثمرت جهود القسام في هذا الجانب أن (حسن الباير) الذي كان سارقاً اهتدى على يديه، وزوَّجه الشيخ القسام ابنته، وجعله ساعده الأيمن، وكذلك الحال مع (عطية المصري) الذي عُرف عنه شرب الخمر وسوء الخلق إلا أنه قد هداه الله وجاهد مع الشيخ القسام حتى استشهد، وغيرهما (أحمد الطيب) الذي كان يقضي وقته في المقاهي والخمر، فدعاه الشيخ فاهتدى، وصار يعمل على تهريب وتخزين الأسلحة للمجاهدين! 

كما أثمرت جهود القسام في هذا الشأن أن عامة الناس بدؤوا يتناقشون بشأن مقاومة المحتل، وكان ذلك سبباً في إنجاح العمليات العسكرية. 

ومما نجح فيه الشيخ القسام كذلك أنه ربط الشباب بسيرة الصحابة والفاتحين، واستخدم المسرح لغرس الجهاد في نفوسهم، فقاموا بعمل أعمال فنية تحاكي حطين وعين جالوت وغيرهما. 

ولحرص القسام على الاندماج مع كل الطبقات وزيادة مساحة تأثيره عمل مأذوناً شرعياً، وصار يستغل الأعراس للتواصل مع الناس وحل مشاكلهم ودعوتهم لما يهدف إليه ويؤمن به. 

وسط كل هذه الأجواء كان القسام يعد العدة ويجمع الجهود لمواجهة الاحتلال البريطاني غير مكترث بآراء من يؤمنون بالمفاوضات مع الاحتلال لكونهم يزعمون أن الإنجليز ليسوا كغيرهم من قوى الاحتلال الأخرى (الفرنسيين والإيطاليين)، وأن الإنجليز أكثر تحضراً وأكثر رغبة في نشر العلم وإحداث نقلة نوعية في الصناعة والاقتصاد... الخ، حتى أن "جريدة القبلة" الناطقة باسم "الشريف حسين" نشرت أن: (الإنجليز ضيوف ومن أهل الكتاب؛ فينبغي أن نُحسن استقبالهم)! 

أما عز الدين القسام فقد كان له رأياً آخر حيث آمن أن المواجهة هي الطريق الوحيد لإنهاء الانتداب البريطاني، كان ذلك في وقت تعتبر فيه المقاومة المسلحة أمراً غير مألوف بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية التي اقتصر نشاطها على المظاهرات والمؤتمرات وإرسال البرقيات.  

أخذ القسام يشعل النخوة في قلب الشعب الفلسطيني فما ترك مكاناً ولا مناسبة إلا قال فيها: "إن الصليبية الغربية الانجليزية، والصهيونية الفاجرة اليهودية، تريد ذبحكم كما ذبحوا الهنود الحمر في أمريكا .. تريد إبادتكم"، كما جاء في كتاب "عز الدين القسام" لمؤلفه (عبد القادر ياسين). 

وكان القسام يقول: "أيها المسلمون ألا تفهمون؟ الله فرض عليكم الجهاد ليحميكم ويحمي أعراضكم (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) لقد ملأ اليهود بلادكم، لقد سرقوا أرضكم"، كما جاء في كتاب "زهرة البساتين من مواقف العلماء والربانيين" للدكتور (سيد العفاني).‏ 

ومما قاله القسام أيضاً: "إنهم يريدون اللعب بأمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وتحويلهن إلى خدم وسبايا"، كما جاء في كتاب "تذكير النفس بحديث القدس" للدكتور (سيد العفاني). 

سادساً: جهود القسام التربوية   

ذكرنا أن الشيخ القسام قد سافر إلى فلسطين عام 1921م واستقر في مدينة (حيفا) حيث عمل بالتدريس. 

حرص القسَّام خلال عمله على أن يتعرف إلى ميول الطلاب وأمنياتهم المستقبلية ويوجه كل طالب بما يتوافق مع قدراته وميوله. 

وبجانب مهنة التدريس كان الشيخ القسام إمامًا يتنقل بين عدة مساجد جامعة في (حيفا)، كما عمل مأذوناً شرعياً، وكل هذه الأمور سهَّلت عليه الاندماج مع مختلف طبقات المجتمع الفلسطيني ومشاركته محافله ومناسباته. 

كل هذه الأمور أكسبت الشيخ القسام شعبية جارفة جعلته: 

  • يترأس جمعية الشبان المسلمين لعدة دورات متتالية. 
  • يقوم بإرشاد المجتمع وتحذيره من البدع والضلالات المنتشرة فيه في تلك الحقبة من الزمن، وكان الشيخ القسام أول من أقام احتفالاً بالمولد النبوي الشريف خالياً من البدع والضلالات ومليء بمواقف التأسي بأحوال الصالحين. 
  • يقوم بتحذير المجتمع من محاولات التنصير التي كانت على أشدها في المدارس التنصيرية في ذلك الوقت. 
  • يعمل على نبذ الحزبية والعصبية وأن يكون هدف الجميع هو مصلحة الوطن ومصلحة الأمة. 
  • يقوم بتوجيه الشباب للتخلص من الفساد والانخراط في العمل الجاد المثمر لبناء النفس والوطن.  

وللحديث بقية في الجزء الثاني من نفس الموضوع بإذن الله تعالى 

 

تاريخ النشر: منذ 12 يومًا

آخر تحديث: منذ ساعتين

مختارات من بصائر من واقعنا

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة