هل الاستقامة خط مستقيم؟
خواطر تربوية
١١ مايو ٢٠٢٦
١٤٨ مشاهدة
9 دقيقة قراءة

هل الاستقامة خط مستقيم؟

عندما نتحدث عن الامتثال للتكليف الشرعي والانضباط العام في الحياة، قد يتبادر إلى الذهن خطّ مستقيم جامد، لا ميل فيه ولا اعوجاج، وكأن الانضباط كتلة صلبة لا اضطراب فيها. ومن هذا الانطباع، يظنّ كثيرون أن ما يواجهونه من صراعات داخلية عند أداء التكاليف الدينية دليل على ضعف إيمانهم أو خلل في شخصياتهم. والحقيقة أن هذه التموجات الداخلية جزء طبيعي من رحلة المجاهدة وتربية النفس، بل هي واردة في طبيعة الحياة المنضبطة نفسها.

فالحياة المنضبطة ليست حياة مثالية بلا عثرات، بل هي حياة تُرى فيها جميع مواسمك: فراغك وشغلك، صحتك وسقمك، طاعتك وتقصيرك؛ كلها خيوط متصلة في نسيج واحد تُحاسَب عليه. ومن الخطأ تصور الحياة كمجموعة من الإنجازات المتفرقة، وبينها «فراغات» يُرفع فيها عن الإنسان أي مسؤولية، بانتظار «المحطة التالية» من المزاج أو الدافع الخارجي. فالانضباط يعني إدراك مسؤوليتك عن كل أحوالك، والاستعانة بالله تعالى فيها جميعًا:

«الإيمانُ وحده هو أكبر علوم الحياة، يُبصِّرُكَ إن عميتَ في الحادثة، ويهديكَ إن ضللتَ عن السّكينة، ويجعلُك صديقَ نفسك تكونُ وإيّاها على المصيبة، لا عدوَّها تكونُ المصيبةُ وإيّاها عليك»1.

وعند سماع لفظة «المسؤولية»، ينصرف الذهن سريعًا إلى قوالب جاهزة تُروّجها قصص النجاح والتنمية البشرية: نوم منضبط، رياضة، طعام صحي، طاقة دائمة، تنظيم صارم للوقت... كأن الجدية لا تتحقق إلا بهذا النموذج المصقول. لكن الحقيقة أعمق وأبسط: لكل إنسان أن يصوغ نمط التزامه بحسب ما يرتضيه لنفسه عند الحساب:

  • إذا كنت ترتضي أن تُقيم الفرائض وتجتنب المحرمات، ثم تتمدد فيما بينهما على الأرائك أمام التلفاز أو تتصفح وسائل التواصل، فأنت وشأنك.
  • إذا كانت أولويتك كسب ما يوفر لك مستوى معيشيًّا مرفّهًا، وتكدّ لأجل ذلك ساعات عمل طويلة، فأنت وشأنك.
  • إذا اخترت بذل أقل جهد لتوفير الدخل، ثم قمت بتوظيف وقتك وعافيتك في أعمال خيرية أو هوايات أخرى، فأنت وشأنك.

في كل الأحوال، سيتحمل كلٌّ نتيجة سلوكه، سواء اختاره واعيًا أو انقاد للمزاج والاستسلام.

وبهذا، فالجدية في الحياة ليست عسيرة كما يُظنّ، ولا تتطلب حياة مثالية أو شكلًا واحدًا من الانضباط. المهم هو الصدق مع النفس: أن تعرف ما ترتضيه وما لا ترتضيه، وأن تنسجم مع قراراتك. فإما أن تُفصّل تطلعاتك بحسب طاقتك، أو ترفع طاقتك لمستوى تطلعاتك، أو تظل تتقلّب حتى تستقيم معك على طريق.

ثم من أكثر أسباب التوتر في معاملة الحياة توهُّم أن الطمأنينة أو السلام الداخلي محطة تصل إليها النفس فجأة، عندما تبلغ الكمال الكامل في الاستقامة. فيظل المرء منتظرًا تلك «اللحظة السحرية» التي يتطابق فيها الظاهر والباطن، فيعيش دائمًا في حالة انتظار، لا يبدأ شيئًا مفيدًا ولا يخطو خطوة جادّة، على أمل الوصول يومًا ما. وحتى إذا اعتاد على هذا الانتظار، يظل متذبذبًا بين الرضا أو الاستمتاع بالحياة أحيانًا، والسخط على النفس والغرق في الاكتئاب أحيانًا أخرى.

سبحان الله! تأمل الطبيعة حولك: اليابس واليانع، الهضاب والسهول، الوعورة والسلاسة، والانحناء والاستقامة، ومع هذه التفاوتات تتكوّن لوحة متناسقة. فكذلك تقلّبات النفس مقصودة لتكون مجال المجاهدة والتربية، وتكون منها معايشة الحياة والتمتع بالحلال الطيب فيها، مصداقًا لقوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

المشكلة تبدأ عندما يصرّ الإنسان على اختراع تصورات للوجود والنفس ليست من الإسلام في شيء، فيُعاد تعريف التيسير والالتزام خارج معناهما المتوازن، فيصبح الإنسان حائرًا متخبّطًا، مع أن الله هداه لنور الحق، لو أُحسن فهمه.

والطمأنينة تبدأ أولًا بالرضا عن عدم الاستقرار الكامل. الله تعالى وحده الثابت، وما سواه متغير. وثبات العبد في نفسه يكون بقدر ما يستمدّ ثباته من الله بالدعاء والاستعانة. ولذا كان من دعاء المصطفى ﷺ الدائم: «يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فتعجّب الصحابة وقالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟» فقال: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا»2. فلا يحيي قلوب العباد إلا الله، كما يحيي الأرض بعد موتها.

وتتحقق الطمأنينة ثانيًا بإدراك أن الاستقرار ليس «محطة» نصلها، بل «حالة» تُعاش عبر العمر كله. فمن يعيش منتظرًا لحظة الاستقرار الكاملة، يفوته الاستقرار فعليًا، ويظل في ترقّب دائم لوَهْم لا يدري ملامحه، ولا يناله منه إلا استنزاف عمره في نكد كان غنيًّا عنه.

والخلاصة أنه لا بد من تربية النفس على قبول طبيعتها المتقلّبة، فهذه علامة حياتها. النفس المطمئنة ليست راكدة لا تتقلّب، ولا بليدة لا تتموّج، بل كائن حيّ يمر بجميع أطياف الشعور والأحوال، بما في ذلك الهمّة والفتور. فالطمأنينة الحقيقية تقوم على تقبّل هذه الطبيعة، والتسليم لله في خلقه وكونه، بدل مقاومتها أو انتظار معجزة تغيّرها دفعة واحدة.

«وماذا تكونُ العِفَّةُ والأمانةُ والصِّدقُ والوفاءُ والبِرُّ والإحسانُ وغيرُها، فيمَنِ انقَطَعَ في صَحراءَ أو على رأسِ جَبَلٍ؟ أَيَزعُمُ أحَدٌ أنَّ الصِّدقَ فَضيلةٌ في إنسانٍ ليس حَوْلَهُ إلّا عَشْرةُ أحجارٍ؟ وَأَيْمُ اللهِ إنَّ الخالِيَ مِن مُجاهَدَةِ الرَّذائِلِ جَميعًا، لَهُوَ الخالِي مِنَ الفَضائِلِ جَميعًا»3.

____________________________________

1- مصطفى صادق الرافعي: "وحي القلم" – الإيمان

2- "سنن الترمذي": كتاب القَدَر - باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن – حديث رقم 2140.

3- مصطفى صادق الرافعي: "وحي القلم" – الانتحار. 

تاريخ النشر: ١١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٦:١٦ م

آخر تحديث: منذ 3 ساعات

مختارات من خواطر تربوية

عن الكاتب

هدى عبد الرحمن النمر

هدى عبد الرحمن النمر

كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة