
ليس علينا إلا ما في أيدينا .. وما ليس في أيدينا ليس علينا
الله سبحانه وتعالى إله عادل حكيم، لا يحاسب العباد إلا على ما يقدرون عليه، وما لا يقدرون عليه لا يحاسبهم عليه، ولا يطلبه منهم من البداية. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: 286]. فكل إنسان مكلف بما في وسعه، ومحاسب عليه، وليس غير ذلك.
في العبادة: أمرنا الله سبحانه وتعالى بما نقدر عليه فيها، وما كان فيها مما لا يُستطاع أو يُستطاع مع المشقة البالغة، فقد أسقط الله تبارك وتعالى فرضيته علينا، بل ولا يحبه الله منا.
فالله عز وجل لا يحب أن نجهد أنفسنا في العبادة إلى الجهد المضني، الذي يسبب مرضًا أو تلفًا أو مشقة لا تُستطاع إلا بشق الأنفس. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: 16]. وقال في الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: 97]. وقال في الإنفاق: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [سورة الطلاق: 7]. وقال في العموم: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: 185]. وقال في العموم كذلك: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: 78].
وفي الحديث الشريف، لما أُبلغ النبي بثلاثة، يريد أحدهم أن يصوم النهار ولا يفطر، ويريد الآخر أن يقوم الليل ولا يرقد، ويريد الثالث أن لا يتزوج النساء، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأخبرهم أن سنة الهداية أن يأخذ المسلم من الدنيا بقدر الحاجة، ومن العبادة بقدر المستطاع، دون مشقة بالغة أو حرج شديد.
وفي قيام الليل قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد».
وفي إنكار المنكر: أمرنا الله ورسوله أن ننكره بقدر استطاعتنا، وقد فصّل الحديث الشريف ذلك؛ فمن كانت قدرته متوفرة لتغيير المنكر باليد دون مشقة بالغة، فعليه ذلك، ومن لم يستطع فعليه بتغيير المنكر باللسان، فمن كان سيجد مشقة بالغة في تغييره باللسان، فليس عليه إلا أن يغيره بقلبه. ومن وجد أنه سيترتب على تغييره هذا منكر أشد منه، فليترك المنكر الذي يريد أن يغيره كما هو.
وفي العمل الإسلامي الدعوي والسياسي: لا يكلفنا الله إلا بما في وسعنا، ولا يحب الله منا أن نحمل أنفسنا فوق طاقتها، كما لا يحب منا أن نفرط في العمل، لا يحب لا هذا ولا ذاك سواء بسواء.
لا يحب الله لا الإفراط ولا التفريط؛ الإفراط الذي يحرق المراحل ويهدم كل ما سبق بالتحميل فوقه ما لا يستطيع تحمله، والتفريط الذي يضيّع الفرص ويؤخر المراحل.
لا يحب الله لا الإفراط ولا التفريط؛ الإفراط الذي يحرق المراحل ويهدم كل ما سبق بالتحميل فوقه ما لا يستطيع تحمله، والتفريط الذي يضيّع الفرص ويؤخر المراحل
الأمر يحتاج إلى الحكمة، التي تعطي لكل مرحلة وقتها، وتبني كل مرحلة على سابقتها، ولا تتعجل، فالله يدبر الأمر بحكمته البالغة، وله الأمر من قبل ومن بعد، فلا يجب أن يتعجل العاملون لدين الله ولشريعته في الدخول لمرحلة إلا إذا ما رأوا إشارة إلهية، لا غبش فيها ولا غبار.
لا يجب أن يعاجل العاملون لدين الله تدبير الله بتدبيرهم، ولا يجب عليهم كذلك أن يتريثوا إلى الحد المضيع للفرص، والأمر يحتاج إلى فراسة المؤمنين، المستنيرة بالبصيرة، التي يعطيها الله لأوليائه وخاصته.
ولذلك، فإن الحركات الإسلامية لما شاركت في الثورات العربية، لم تكن قد استعجلت بها، ولكنها لما رأت أن الدعوة إليها أخذت زخمها، بادرت وشاركت فيها، مخافة أن تفوت الفرصة، فلا لوم عليها في هذه. ولما رأت المؤامرة عليها بعد نجاحها، حاولت جاهدة أن تفشل هذه المؤامرة الإقليمية العالمية، لكنها فشلت في ذلك؛ لأن المؤامرة كانت أكبر منها، ولم تكن تتخيل أن تكون المؤامرة بهذا الشكل، ولا أن يكون جبروتها وطغيانها إلى حد أن يُقتل الآلاف في الشوارع، وتقوم الحروب الأهلية الدموية لمنع هذه الثورات من أن تبلغ مبلغها.
وفي الجهاد: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يطلب الله عز وجل من أحد أن يدخل في مغامرات جهادية دون حساب للعواقب، ليُهلك نفسه في النهاية، دون أن يُقدم نجاحًا يُذكر.
ومن أجل ذلك، شرع الله عز وجل الانسحاب من المعارك، إن وجد المجاهدون أن عدوهم أضعاف أضعافهم، وأنهم سائرون إلى هلكة لا محيص عنها. وإذا غامر المجاهدون، فأهلكوا أنفسهم وأهليهم، فهم آثمون، ومسؤولون أمام الله عمّا فعلوه.
فإذا نظرنا بهذه النظرة لما فعله المجاهدون والمقاومون في غزة في السابع من أكتوبر، فسنقول: إنهم لم يكونوا يغامرون ويقامرون، وما كان ينبغي لهم ذلك أو يجوز، ولكنهم ظنوا أنها حركة جهادية ستؤتي أكلها، بدعم الأمة الإسلامية كلها لها، وبإلجام الأمة الإسلامية والعالم كله من ورائها للعدو الصهيوني من المبالغة في رد الفعل والإجرام فيه.
لكنها ذهلت من بعد ذلك، مما رأته من تآمر عالمي ليس له مثيل، وموات إسلامي ليس له مثيل، وطغيان صهيوني أمريكي ليس له مثيل.
ما كان يتخيل المجاهدون المقاومون أن يُفعل كل ذلك بأهلهم وناسهم المدنيين المسالمين دون أن تتحرك الأمة الإسلامية أو يتحرك العالم لوقف المذبحة. ولو كانوا يعلمون، لكانوا آثمين؛ إذ أقدموا على حركة أهلكت ناسهم وأهلهم.
ما كان يتخيل المجاهدون المقاومون أن يُفعل كل ذلك بأهلهم وناسهم المدنيين المسالمين دون أن تتحرك الأمة الإسلامية أو يتحرك العالم لوقف المذبحة. ولو كانوا يعلمون، لكانوا آثمين؛ إذ أقدموا على حركة أهلكت ناسهم وأهلهم
لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولكن الله عز وجل هو الذي يعلم وسعها، فإذا تراخى العبد عن فعل الخير، مدعيًا أنه ليس في وسعه، فليعلم أن الله يعلم ما في وسعه، وسيحاسبه عليه، إن هو خدع نفسه، وادعى ما ليس صحيحًا.
هو السير بالحكمة، من أجل أن لا تكون الهلكة بسبب الاستعجال وحرق المراحل والإقدام على ما ليس في الوسع والطاقة في حينه، ومن أجل أن لا يكون التباطؤ وتفويت الفرص، مع الظن أنه ليس في الوسع، وهو حينها في الوسع.
والحكمة تُطلب من الله، ويعطيها الله لأوليائه وخاصته، فإن أخطأتهم مرة، فليست تخطئهم الثانية، وإن أخطأتهم الثانية، فليست تخطئهم الثالثة، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فإن لُدغ مرتين، فلا يُلدغ الثالثة أبدًا.
تاريخ النشر: ١٢ مايو ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٩ م
آخر تحديث: منذ 3 ساعات



