الخلوة الشرعية للسجين ضرورة شرعية ووقاية اجتماعية (1-2)
بصائر تربوية
١٨ مايو ٢٠٢٦
١٩٦ مشاهدة
13 دقيقة قراءة

الخلوة الشرعية للسجين ضرورة شرعية ووقاية اجتماعية (1-2)

عن عمرو بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول:

تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه *** وأرَّقني ألَّا خليل ألاعبه

فلولا الله أني أراقبه *** لحرَّك من هذا السرير جوانبه

فسأل عمر ابنته حفصة بنت عمر رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك.

هذا ديننا! وهذه شريعتنا! وهؤلاء هم قادتنا وقدوتنا! وهذا ما يجب أن تأخذ به الأمة حفظًا لعفة رجالها، وصيانةً لأعراض حرائرها.

هذا ديننا! وهذه شريعتنا! وهؤلاء هم قادتنا وقدوتنا!

توطئة

كم من زوجة سُجن زوجها لسبب أو لآخر، وهي تنتظر عودته شاخصةً ببصرها نحو عقارب الساعة التي لا تتحرك، وأمام أوراق الأيام التي لا تتساقط، وليس أمامها سوى الانتظار!!

• المسكينة تتمنى أن تعيش كبقية النساء اللاتي ينعمن بوجود جليس وأنيس، ولكن دون جدوى!!

• والمسكينة ترى أوراق عمرها تتساقط أمام عينيها، فجمال وجهها قد انطفأ، وعيناها قد غارتا، وقوتها قد خارت، ولكن دون جدوى!!

• والمسكينة تموت كل يوم مائة مرة لألم فراق الزوج ولوعته وأساه، ولكن دون جدوى.

• والمسكينة يزيدها ألمًا فوق ألمها، ومعاناة فوق معاناتها، أن ترى أعين الناس ترقب خطاها بكل ريبة، وألسنتهم تنهشها دون رحمة ولا هوادة.

• والمسكينة لم تعد تهتم بزينتها كسابق عهدها، ولم يعد قلبها يدق؛ لأنها لم تعد تسمع صوت مفتاح زوجها في الباب، ولم تعد تشعر بالأمان لعدم وجود حذاء زوجها أمام الباب.

• والمسكينة تشعر بأن البيت لم يعد له سقف ولا نوافذ ولا أبواب منذ أن فارقها زوجها!

• والمسكينة أصبحت تعيش دور الأب والأم لتحفظ أبناءها في غياب زوجها!

• والمسكينة يقتلها عجزها حين لا تستطيع أن ترد على أسئلة أطفالها الذين يسألونها عن والدهم، ولماذا هو مسجون، ومتى سيخرج؟

• والمسكينة ترضى بالفتات والكفاف من كل شيء حتى لا يشمت فيها عدو، ولا يُساء بها قريب!!

• والمسكينة تذهب لزيارة زوجها في محبسه، وهي تحمل حنين الفراق، وشظف العيش، وتعب السفر، وسوء معاملة أجلاف السجن الذين قد نُزعت الرحمة من قلوبهم، إلا أنها تحاول أن تخفي ذلك كله، وترسم على وجهها ابتسامةً مُفتعلة تشد بها من أزر زوجها!

أولًا: ما معنى الخلوة الشرعية؟

الخلوة الشرعية الصحيحة هي أن يختلي رجل بامرأة عقد عليها شرعًا؛ أي خلوة تتم بين الزوجين في مكان يأمنان فيه من دخول أحد عليهما دون إذنهما، أو يطلع عليهما أحد، وليس هناك مانع يمنعهما من المعاشرة الزوجية في سرية تامة وفق ضوابط شرعية وإنسانية تحفظ كرامة السجين، وتحافظ على حياء زوجته.

حق المسجون في الخلوة الشرعية ليس ترفيهًا، وليس خروجًا على مقتضيات العقوبة؛ لكنه حق منصوص عليه في الشرع.

ثانيًا: السجن بنظامه الحالي في ميزان الشرع

إن عقوبة السجن بوضعها الحالي ليست من العقوبات الشرعية، وهي عقوبة جائرة ظالمة، ولم يُطبَّق السجن في القرآن الكريم إلا ظلمًا وعدوانًا.

وعقوبة السجن بمواصفاتها الحالية من العقوبات الدخيلة على مجتمعنا الإسلامي، التي وردت إلينا من خلال القوانين الوضعية، والإسلام ليس فيه إلا الحدود والتعزيرات والعقوبات المالية، بشرط ألَّا تتعدى كل هذه العقوبات إلى الغير، وإلا فما أجَّل النبي ﷺ تنفيذ حد الزنا إلى أن تضع الزانية طفلها وترضعه حتى الفطام.

والسجن لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحدود الشرعية أبدًا، والدول التي ليس عندها من العقوبات إلا السجن لم تُصلح مجرمًا، ولم تمنع جريمة، بل ازدادت الجرائم فيها بشكل مُخيف.

وكل العقوبات التي أوجبها الشرع تتم مباشرة بمجرد الانتهاء من إجراءات القضية، وإن أمر القاضي بسجن المتهم فإنما يكون لفترة وجيزة لحين الانتهاء من إجراءات التقاضي، حتى لا تكون فترة حبس المتهم على ذمة التحقيقات عقوبةً في حد ذاتها، أو الحبس للفصل بين عقوبتين، أو حبس مُدمن الخمر الذي لا يردعه إلا الحبس، أو الحبس للاستيثاق، وفي كل الأحوال فالحبس يكون لفترة وجيزة، ولا امتهان فيها لكرامة المحبوس، ولا جور فيها على الحق الشرعي لزوجته.

وفيما يخص التعزير، فقد نص الفقهاء على أن التعزير يكون بضرب أو صفع أو حبس أو نفي أو قيام من مجلس أو كشف رأس أو تسويد وجه أو حلق رأس لمن يكرهه، أو إركاب الحمار منكوسًا والدوران به على هذه الهيئة بين الناس، أو تهديده بأنواع العقوبات، ولا يجوز التعزير بحلق اللحية أو قطع طرف أو جرح، وحصرهم هذا يبين إجماعهم على عدم جواز حرمان الرجل من أهله على سبيل التعزير.

ثالثًا: مدى مشروعية حرمان السجناء من حقوقهم الشرعية

لقد جعل الشرع لكل من الزوجين حقوقًا وواجبات تجاه الآخر، ومن هذه الحقوق المعاشرة الزوجية، والإسلام قد راعى ذلك مراعاةً للفطرة، وإشباعًا لحاجة الأفراد البيولوجية، وصيانةً للأعراض، وحفظًا للمجتمع من الانغماس في وحل الرذيلة. ولا يجب أن ننسى أن من بين مقاصد الشريعة الغراء: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل (العِرض).

ولا يجب أن ننسى كذلك أن شخصية العقوبة مبدأ من مبادئ الإسلام، وبالتالي لا يؤاخذ شخص بجريرة غيره مهما كانت الصلة والقرابة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: 18]، وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا ضرر ولا ضرار» (أخرجه الدارقطني).

جاء في كتاب حاشية ابن عابدين، وهو عبارة عن موسوعة فقهية شاملة على المذهب الحنفي: «لا يُمنع المسجون من دخول زوجته أو أمَته عليه والاتصال بها، إذا كان هناك مكان خالٍ في السجن يخلو بها فيه؛ لأنه غير ممنوع من شهوة البطن، فكذا الفرج» اهـ.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «فُكُّوا العاني، يعني: الأسير، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» (صحيح البخاري). إذا كان «فك العاني» مطلبًا شرعيًا، فإن تمكينه من حقوقه الشرعية هو أبسط حقوقه، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله.

ومن بين القواعد الفقهية التي تعارف عليها فقهاء الأمة عشر قواعد توجب تطبيق الحق في الخلوة الشرعية للسجناء، وسنذكر هذه القواعد دون خوض في تفاصيلها، وهي:

1- قاعدة: «درء المفسدة مُقدم على جلب المنفعة».

2- قاعدة: «سد الذرائع».

3- قاعدة: «الأخذ بأقل الضررين».

4- قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».

5- قاعدة: «إذا ضاق الأمر اتسع».

6- قاعدة: «الضرر يُزال».

7- قاعدة: «يُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد».

8- قاعدة: «الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة».

9- قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات».

10- قاعدة: «ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها».

من هنا يمكن أن نقول إن تنفيذ الخلوة الشرعية، في ظل ظروف قد يكون عليها بعض المآخذ، أفضل من الوقوع في المشكلات النفسية والاجتماعية والأخلاقية التي تترتب على الحرمان من الخلوة الشرعية للزوجين.

ومن هنا نفهم أن حق المسجون في الخلوة الشرعية ليس ترفيهًا، وليس خروجًا على مقتضيات العقوبة؛ لكنه حق منصوص عليه في الشرع كما ذكرنا، ومنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحد الأدنى لمعاملة نزلاء السجون. علاوة على ذلك كله، فإن في مراعاة هذا الحق إصلاحًا للنفس البشرية، ووسيلةً هامة للحفاظ على التوازن النفسي والأخلاقي للسجين وزوجته، أو للسجينة وزوجها.

يقول الأستاذ الدكتور محمد المسير: «إن عقوبة السجن لا تقتصر على السجين وحده، بل تشمل الأسرة بما فيها من حرمان الزوجة من حقوقها الجنسية، وحرمان الأطفال من حنان وعاطفة الأبوة، وهذا كله منافٍ لمقاصد الشريعة الإسلامية التي تقتصر العقوبة فيها على الجاني فقط».

ويشدد الدكتور المسيري على أن أفضل الحلول الشرعية في عقاب الجاني تتمثل في تطبيق الحدود الشرعية.

ويرى الدكتور المسير أن يخرج السجين كل فترة ليعيش بين أسرته في ظل حراسة مُشددة، وكذلك إذا كانت الزوجة هي السجينة؛ ففي هذا تقويم للأسرة كلها، ويشعر السجين بالدفء الأسري الذي افتقده، مما يدفعه للعمل على تهذيب نفسه، ويمنعه من الانزلاق في الجريمة مرة أخرى.

ولقد صدر عن الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل فتوى بخصوص حقوق السجين في الخلوة الشرعية، تدور تفاصيلها حول نفس المفهوم.

ومما تقدم، فإن اختلاء المسجون بزوجته، وكذلك الزوجة المسجونة بزوجها، لممارسة الحقوق الشرعية الخاصة جائز شرعًا وقانونًا؛ لأن حرمان أحد الزوجين من هذا الحق يتعدى إلى الآخر، والشرع قد نهى عن ذلك.

وقياسًا على الموضوع الذي نحن بصدده، يمكن أن نُلحق به حق المغترب في اصطحاب زوجته معه، على أن يتم تحديد قيمة الراتب على هذا الأساس، وإن لم يصطحب الزوج المغترب زوجته معه لسبب أو لآخر، يكون له الحق في الحصول على إجازة نصف سنوية يتم الاتفاق بخصوص تفاصيلها مع جهة العمل.

لقد حوَّلنا السجون التي يُقصد منها التهذيب والإصلاح إلى بؤر للفساد.

رابعًا: الآثار الأخلاقية والاجتماعية المترتبة على حرمان السجناء من حقوقهم في الخلوة الشرعية

إن تجاهل المسؤولين للحقوق الشرعية والقانونية للسجناء يترتب عليه العديد من المشكلات النفسية والاجتماعية والأخلاقية والصحية، ليس ذلك للسجين وحده، بل للزوجة وللأسرة كلها، وتنتهي هذه المشكلات إما بانحراف الزوجة أو بطلبها للطلاق، وبالتالي تنتشر ظاهرة تشرد الأبناء، وظاهرة الانحراف الأخلاقي، وأيضًا ينتشر الشذوذ الجنسي بين السجناء، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض الخطيرة.

وفي ظل تداعيات مشكلة حرمان السجناء من حقوقهم في الخلوة الشرعية، نكون قد حوَّلنا السجون التي يُقصد منها التهذيب والإصلاح إلى بؤر للفساد، وإذا افترضنا جدلًا أن السجن قد قام بتهذيب السجين، فإنه قد أدى إلى كل ما ذكرنا من المشكلات التي تخص الزوجة والأبناء.

وللحديث بقية في الجزء الثاني من نفس الموضوع، إن شاء الله تعالى.

تاريخ النشر: ١٨ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٤ ص

آخر تحديث: منذ ساعتين

مختارات من بصائر تربوية

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة