
كيف تصنع الثقافة عنف الإنسان قبل أن يمارسه؟
لا يزال العنف من أعقد الظواهر الإنسانية من حيث فهم نشأته وتطورها، إذ تتشابك في تفسيره مناهج الفلسفة، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع. وتتأرجح مرة كفة الغريزة والجينات والهرمونات، ومرة كفة الاكتساب والتنشئة. فهل العنف طبيعة كامنة في الإنسان لا محيد عنها؟ أم أنه مكتسب متشكّل من البيئة والمجتمع، تُعاد إنتاجه عبر المشاهد والمسموع والمقروء وما بين الأسطر؟
أولًا: ما "الأنماط الثقافية للعنف"؟ — المفهوم ودلالاته
يتعين علينا، قبل الاستطراد في موضوع المقال، معرفة المقصود بكل من الأنماط والعنف، لا لعدم معرفة القارئ بمعنييهما، بل ليكون على اطلاع بمقصود الكاتب بهما.
الأنماط: مجموعة من المعتقدات والمواقف والسلوكيات والممارسات التي تتكرر بصورة مضطردة في المجتمع، ليصدق عليها كونها أنماطًا وليست مجرد حالات شاذة.
العنف: هو قول أو فعل مؤذٍ يقوم به فرد أو جماعة أو دولة ضد أخرى.
العنف ليس حدثًا يقع فجأة في فراغ، بل ثمرة بذرة غُرست في التربة الثقافية للأمة
وهذا التعريف يتخطى الحدود الضيقة للتصور المتبادر إلى الذهن عن العنف، المختزل في الضرب والجرح والقتل، بل يُنقّب في الجذور الثقافية التي تُخصّب هذه الحوادث وتجعلها ممكنة ومتوقعة ومقبولة. فالعنف ليس حدثًا يقع فجأة في فراغ، بل هو ثمرة بذرة غُرست في التربة الثقافية للأمة، وسُقيت على مدار عقود بما يراه المرء وما يسمعه، حتى يقطف ثمارها ويتناولها وهو غير مدرك لذلك.
ثانيًا: كيف نستسيغ العنف؟
قسَّم عالم الاجتماع النرويجي "يوهان غالتونغ" (Johan Galtung) كيفية تقبّل المجتمع للعنف إلى قسمين:
1- التبرير من خلال الحجج (وإن لم تكن عليها بيّنة)
ومن أشهر أمثلته:
"الله منحنا هذه الأرض": وإن كان لأول وهلة سيظن القارئ أن أول من نطق بها زورًا وبهتانًا هم اليهود في الكيان المحتل، إلا أن الأب المؤسس للولايات المتحدة "توماس جيفرسون" كان من أوائل من تبنّوا هذا التصور. واتخذها، كما اتخذها غيره، حجة للإبادة العرقية لكل من لم يُعَدّ، في نظره، من أصحاب هذا الحق الإلهي الممنوح.
"العرق الآري": ليست نظرية تفوق عرق بعينه حكرًا على النازيين كما قد يتصور البعض، فقد سبقهم إلى استعمالها "توماس جيفرسون" المذكور في الفقرة السابقة، إذ رأى أن الأسود لا يمكن إلا أن يكون عبدًا للأبيض، لأن العرق الأبيض متفوق بطبعه.
وجدير بالذكر أن لمحات من هذه النظرية تظهر بين الفينة والأخرى، إما تصريحًا؛ كوصف تشرشل للعرب بأنهم قرود لكونهم من ذوي البشرة السمراء، أو تعريضًا؛ كالسكوت الغربي شبه الجماعي على الإبادة الجماعية بحق أهلنا في غزة، وكأن الضحية لا تنتمي إلى "الإنسان الأبيض".
حين يصير العنف طبيعيًا، فذلك لأن ثمة ثقافة قامت بعملية تطبيع صامتة ومتراكمة
ومن اللافت للانتباه أن ثنائية العقل والجسد، تلك الثنائية الديكارتية المشهورة التي تُعلي من شأن العقل على حساب الجسد، قد أسهمت إسهامًا غير مباشر في تبرير هذا الشكل من أشكال العنف. فحين يُحتقر الجسد ويُعدّ أدنى منزلة من العقل، يسهل تجريد "الآخر" من إنسانيته، واستبعاده من دائرة الاعتبار الأخلاقي.
وقد وظّفت أيديولوجيات الاستعمار والعنصرية هذه الثنائية بمهارة، حين صوّرت الشعوب المُستعمَرة على أنها أقل من البشر، لدرجة جعلت بعض علمائهم، مثل "صامويل مورتون" (Samuel Morton)، يُجري "قياسات للجماجم" (Craniometry) لـ"إثبات" تفوق الجنس الأبيض، وهو ما أُدرج لاحقًا تحت مصطلح "العنصرية العلمية" (Scientific Racism).
ويتضح مما سبق أن أنماط التفكير ليست بمعزل عن العقول التي أنتجتها، بل يتولد عنها تبعات أخلاقية وسياسية واجتماعية ملموسة يمتد أثرها على مدى قرون. فأنماط العنف الثقافية تتشكّل في كل مجتمع يُنتج سرديات للتمييز والإقصاء والاستعلاء، بحيث تبرر العنف تجاه الجماعة المُقصاة أو الأدنى، ممهدة لارتكاب العنف الفعلي لاحقًا، وذلك دون أدنى حد من الإنكار لمرتكبه أو التعاطف مع ضحيته.
وفي هذا السياق، تستحق الإشارة إلى ما كشفه "جورج لابيكا" في كتابه "نظرية العنف"، فحين يصير العنف "طبيعيًا"، فذلك لأن ثمة ثقافة قامت بعملية تطبيع صامتة ومتراكمة على مدى أجيال.
2- جعل العنف جزءًا لا يتجزأ من بنية المجتمع
ويكون ذلك من خلال وضع قيود غير مرئية، لكنها محسوسة، اقتصادية كانت أم اجتماعية، تؤدي إلى عدم المساواة في الحصول على الموارد أو التعليم أو الصحة أو العدالة.
وهذا النوع من العنف هو الأشد خطرًا؛ لأنه عنف بلا وجه ظاهر، وإيذاء بلا يد مرئية. والعنف الثقافي هو السحابة التي تظلّل ما سبق، بحيث يصير المجتمع الذي لا يرى غضاضة في تفوق جنس على آخر، غير مستنكر للتمييز بينهما بالتبعية.
ولا تنتهي مشكلات العنف الثقافي عند هذا الحد، فالمقهور يرى دومًا في قاهره عدوًا له، لأنه يحس بأغلال هذا القاهر تكبّله. ومن مظاهر التعبير عن ذلك ما أنشده أحد السود في أغنية بعنوان "Whitey on the Moon" (الرجل الأبيض على القمر)، والتي يستنكر فيها تخصيص ميزانية لإرسال شخص أبيض إلى القمر، بينما يرتع هو وأمثاله في مدارج الجهل ودياجير الفقر.
فالأسود الأمريكي يرى في الأبيض سببًا في فقره واستمرار جهله، وهو ما قد ينبني عليه، حين ينشأ الأسود في بيئة كتلك، أن يسرق من الأبيض بوصف ذلك نوعًا من تطبيق العدالة التي لم يحصل عليها طيلة حياته، وأن ينتقم من الأبيض الذي يراه سببًا في مأساته.
وعلى هذا القياس، يرى اليهودي العربيَّ بمثابة العدو الذي لا يؤمن جانبه إلا بقتله، كما يرى بعض الأوروبيين في المهاجر دخيلًا على بلادهم، في حين لم يعد أجدادهم أنفسهم دخيلين على بلاد ارتكبوا بحق أجداد ذلك المهاجر من الويلات ما يندى له جبين الإنسانية، إذا كانت تلك الإنسانية لا تعرف للألوان تمييزًا، بينما الواقع -كما نرى وكما برهنا- خلاف ذلك.
لقد شوّهت تلك الأعمال الفنية فطرتنا، جاعلة من المجرمين أبطالًا
ثالثًا: آليات تغذية العنف
من أشهر الأنماط الثقافية وأكثرها شيوعًا في الجيل الحالي تلك التي تُضفي على العنف هالات من البطولة والضرورة والمشروعية. وأمثلة ذلك، من شخصيات أبطال المسلسلات الرمضانية، أكثر من أن تُعد.
فتصبح اللغة الوحيدة المفهومة، أو بالأحرى الوحيدة التي يتحدث بها البطل، هي لغة العنف، ويُكسى تبريرها بثوب المطالبة بالحق، فيُخيّل للمشاهد أن للبطل أن يطلب حقه بما اتفق وكيفما اتفق.
ومثل ذلك ألعاب الفيديو التي يتحول فيها القتل إلى نوع من التسلية والترويح عن النفس. وقد أخطأ كثيرون حين اعتبروا أن مثل تلك الأشياء هي المبرر الوحيد أو الأساسي لارتكاب شخص جريمة، وإنما هي حلقة من سلسلة رُصّت حلقاتها بتؤدة على مدار حياة ذلك الشخص.
غير أن تلك المسلسلات والألعاب تقوم بما هو أدهى من ذلك؛ فبينما يرتكب شخص واحد الجريمة، يكون المتفرجون مئات، وربما آلافًا، قد خدّرت تلك الأفلام والمسلسلات والألعاب استجابتهم للعنف، بل جعلتهم يستمرئونه.
وهذا هو البلاء الأخطر، الذي عنده تزل الأقدام؛ فكيف نكون كما وصفنا الله عز وجل: "خير أمة أخرجت للناس"، ونحن لا نعرف معروفًا ولا ننكر منكرًا؟
لقد شوّهت تلك "الأعمال الفنية" فطرتنا، جاعلة من المجرمين أبطالًا! وما لم يكن لدى الواحد منا الوعي الكافي بما يغذي به مخيلة نفسه وعائلته ووجدانهم، فلا شك أن قدمه ستزل في هذا المنحدر الأخلاقي الوعر.
وتصبح إجابة السؤال: كيف يقف الناس متفرجين؟ بديهية؛ وذلك لأنهم، ببساطة، مُدرَّبون على التفرج على العنف، بل وعدّ تلك الفرجة وسيلة تسلية. وفي مخيالهم أن البطل صاحب الحق عنيف، مرتفع الصوت، يُرغي ويُزبد، وأن الخلق الحسن كان له زمان مضى وانحسر.
وبالتالي، تتضافر الأسرة مع هذه "الأعمال الفنية" في بناء منظومة تُطبّع العنف وتجعله من طبائع الأمور. وهكذا جعلت الأفلام التي تُمجّد البطل العنيف، وألعاب الفيديو التي تُحوّل القتل إلى متعة، والأخبار التي تُطبّع المشاهدين على مشاهد الموت، جعلت العنف مألوفًا ومشوّقًا، بل ومثلًا أعلى يُحتذى به.
المصادر الرئيسية
1- باربرا ويتمر — الأنماط الثقافية للعنف (The Violence Mythos)، ترجمة: ممدوح يوسف عمران، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.
2- يوهان غالتونغ — العنف الثقافي (Cultural Violence)، مجلة دراسات السلام (Journal of Peace Research)، 1990.
3- أمارتيا سن — الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2008.
4- جورج لابيكا — نظرية العنف، مراجعة في الصحافة العربية والدوريات الثقافية.
تاريخ النشر: ٢٠ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٥ ص
آخر تحديث: منذ 15 دقيقة
مختارات من بصائر تربوية
عن الكاتب
تسنيم عبد الرحمن النمر
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي
عرض الملف الشخصي ←


