كيف نفهم الجيل الجديد قبل أن نحاول توجيهه؟
بصائر تربوية
٢١ مايو ٢٠٢٦
١٣٠ مشاهدة
6 دقيقة قراءة

كيف نفهم الجيل الجديد قبل أن نحاول توجيهه؟

ليس الجيل الجديد مشكلة تحتاج إلى حل، بل طاقة تحتاج إلى لغة. وأكبر خطأ نقع فيه حين نحاول مخاطبته هو أن نخاطبه بعقولنا نحن، لا بعقله هو؛ بخبراتنا الماضية لا بواقعه المعاش؛ بخوفنا عليه لا بثقتنا فيه.

إن سؤال: "كيف نخاطب الجيل الجديد؟" هو، في جوهره، سؤال عن تجديد الخطاب، لا تجديد الجيل.

أول ما ينبغي إدراكه أن الجيل الجديد وُلد في عالم مختلف جذريًا: عالم سريع، متشابك، بصري، مفتوح، متعدد المصادر، قليل اليقين.

الجيل الجديد ليس مشكلة تحتاج إلى حل، بل طاقة تحتاج إلى لغة

لم يعد المصدر الواحد مقنعًا، ولا الصوت الواحد مسموعًا، ولا السلطة المعنوية تُمنح تلقائيًا. لذلك فإن الخطاب الوعظي العمودي، القائم على الأوامر والنواهي، لم يعد فاعلًا، بل كثيرًا ما يولّد مقاومة صامتة أو انسحابًا نفسيًا.

1. نخاطبه من موقع الفهم لا الوصاية

الجيل الجديد لا يرفض القيم، لكنه يرفض أن تُفرض عليه دون فهم. يريد أن يعرف: لماذا؟ كيف؟ ما الجدوى؟ الخطاب الذي لا يفسّر، ولا يربط، ولا يعترف بالتعقيد، خطاب مرفوض. إن أول مدخل للتأثير هو أن يشعر الشاب أن من يخاطبه يفهم أسئلته وحيرته، لا أن يوبخه عليها. الفهم هنا ليس تبريرًا، بل اعترافًا بإنسانية السؤال.

2. نخاطبه بلغة المعنى لا لغة التخويف

كثير من خطاباتنا ما زالت تعتمد على التخويف: من الفشل، ومن العقاب، ومن الانحراف، ومن المستقبل. بينما الجيل الجديد يبحث عن المعنى: لماذا أتعلم؟ لماذا ألتزم؟ لماذا أنتمي؟ حين يغيب المعنى، لا ينفع التخويف. الخطاب المؤثر هو الذي يربط السلوك بالقيمة، والفعل بالرسالة، والالتزام بالكرامة، لا بالخوف وحده.

من يُحسن السؤال يصل إلى القلب قبل العقل

3. نخاطبه بالحوار لا بالإملاء

الجيل الجديد جيل تفاعلي، اعتاد أن يُسأل ويُجيب، وأن يعلّق ويُناقش. لذلك فإن الخطاب الأحادي الطويل، الذي لا يترك مساحة للسؤال، خطاب ميت. الحوار لا يعني التنازل عن الثوابت، بل يعني تقديمها في فضاء إنساني مفتوح، يسمح بالاختلاف المؤقت، وبالتعلم التدريجي. من يُحسن السؤال يصل إلى القلب قبل العقل.

4. نخاطبه بالقدوة لا بالشعار

هذا الجيل شديد الحساسية للتناقض. يرى الفعل قبل أن يسمع القول. لا يتأثر كثيرًا بالشعارات الكبيرة إذا كان الواقع يناقضها. لذلك فإن أبلغ خطاب موجّه إليه هو السلوك الصادق، والقدوة العملية، والاتساق بين ما نقوله وما نعيشه. المربي، والمعلم، والمثقف، والداعية... كلهم يُخاطَبون قبل أن يُخاطِبوا.

5. نخاطبه بلغة العصر دون فقدان الجوهر

ليس المطلوب أن نُسقط لغتنا وقيمنا، بل أن نترجمها. أن نحمل المعاني العميقة في قوالب يفهمها: قصة، مثال، تجربة، فيديو، حوار، موقف حياتي. الجيل الجديد لا يرفض العمق، لكنه يرفض الغموض المتعالي. يريد فكرة واضحة، مرتبطة بواقعه، قابلة للتطبيق، لا مجرد تنظير.

6. نخاطبه بالثقة لا بالشك الدائم

كثرة الاتهام تُفسد التربية. حين نُخاطب الجيل الجديد وكأنه مشروع انحراف، أو خطر محتمل، فإننا ندفعه - دون قصد - إلى هذا الدور. أما حين نخاطبه بوصفه شريكًا في البناء، قادرًا على الفهم والمسؤولية، فإننا نوقظ أفضل ما فيه. الثقة لا تلغي المتابعة، لكنها تمنحها معنى تربويًا لا أمنيًا.

الجيل الجديد لا يريد صوتًا أعلى، بل معنى أصدق

7. نخاطبه بوعي الجراح لا بإنكارها

هذا الجيل، خصوصًا في السياقات المأزومة، يحمل أثقالًا نفسية: صدمات، قلق، فقدان أمان، وأسئلة وجودية. الخطاب الذي يتجاهل هذه الجراح، أو يقلل منها، خطاب قاسٍ وغير مؤثر. لا بد من خطاب يعترف بالألم، ويسمّيه، ويمنحه أفقًا، لا أن يطالبه بالقوة الدائمة والصمود الصامت.

ختامًا

مخاطبة الجيل الجديد ليست معركة لإثبات السلطة، بل مسؤولية لبناء الإنسان. هو لا يحتاج إلى من يخبره ماذا يفعل فقط، بل إلى من يساعده على أن يفهم من يكون، ولماذا يعيش، وكيف يختار.

الجيل الجديد لا يريد صوتًا أعلى، بل معنى أصدق. ولا يبحث عمّن يقوده من الخلف، بل عمّن يسير معه إلى الأمام.

تاريخ النشر: ٢١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:١٠ م

آخر تحديث: منذ ساعتين

مختارات من بصائر تربوية

عن الكاتب

د. محمد عاشور الصادق

د. محمد عاشور الصادق

كاتب وأكاديمي بارز في ميدان علم النفس التربوي، جمع بين الخبرة البحثية العميقة والعمل القيادي في مؤسسات التعليم العالي. يشغل منصب أستاذ مساعد غير متفرغ في قسم علم النفس بكلية التربية في جامعة الأقصى، بعد مسيرة تولّى فيها عمادة كلية التربية بجامعة الأقصى وعمادة الكلية الجامعية للعلوم والتكنولوجيا بخان يونس، إضافة إلى عمله مساعدًا لرئيس الجامعة لشؤون البيئة وخدمة المجتمع. عرف بحضوره العلمي الواسع، إذ ترأس مؤتمرات نوعية مثل "كليات التربية بين النظرية وإشكاليات التطبيق" (2012) و*"دور الجامعات والكليات في تنمية المجتمع" (2013)*، وأدار العديد من الجلسات العلمية في مؤتمرات فلسطينية متعددة. كما كان عضوًا في اللجنة الوطنية العليا لإعداد الخطة الاستراتيجية لوزارة التربية والتعليم العالي للأعوام 2013–2018، وعضو مجلس أمناء كلية العلوم والتكنولوجيا بخان يونس، وعضو مجلس بلدية القرارة بين 2018 و2021. نشر العديد من الأبحاث المحكمة، وأشرف وناقش عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في ندوات وورش عمل مع مؤسسات المجتمع المدني. يميل في كتاباته إلى التأصيل الإسلامي لعلم النفس، وصدرت له سلسلة "قراءات نفسية للقرآن الكريم" في أربعين مقالًا، إلى جانب عشرات المقالات الفكرية والتربوية والاجتماعية والثقافية والسياسية المنشورة عبر وسائل التواصل.

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة