الخلوة الشرعية للسجين ضرورة شرعية ووقاية اجتماعية (2-2)
بصائر تربوية
منذ أسبوعين
١٢٤ مشاهدة
14 دقيقة قراءة

الخلوة الشرعية للسجين ضرورة شرعية ووقاية اجتماعية (2-2)

عن عمرو بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب ليلًا، فسمع امرأة تقول:

تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه :: وأرَّقني ألَّا خليل ألاعبه

فلولا الله أني أراقبه :: لحرَّك من هذا السرير جوانبه

فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك.

هذا ديننا! وهذه شريعتنا! وهؤلاء هم قادتنا وقدوتنا! وهذا ما يجب أن تأخذ به الأمة حفظًا لعفة رجالها ونسائها، وصيانةً لأعراض حرائرها

تحدثنا بفضل الله تعالى في #الجزء_الأول من هذا الموضوع عن:

أولًا: ما معنى الخلوة الشرعية؟

ثانيًا: السجن بنظامه الحالي في ميزان الشرع.

ثالثًا: مدى مشروعية حرمان السجناء من حقوقهم في الخلوة الشرعية.

رابعًا: النتائج المترتبة على حرمان السجناء من حقوقهم في الخلوة الشرعية.

وسنتحدث في هذا الجزء، بإذن الله تعالى، عما يلي:

خامسًا: هل توجد نماذج لدول قامت بتطبيق الخلوة الشرعية للسجناء؟

لقد أخذت بعض الدول مسألة حق السجناء في الخلوة الشرعية بمحمل الجد، وقطعت فيها شوطًا يمكن نقله لباقي الدول والبناء عليه، ومن بين هذه الدول: السودان، واليمن، والكويت، وقطر، والجزائر، وموريتانيا، وماليزيا؛ فكل هذه الدول تسمح بتطبيق الخلوة الشرعية بشكل أو بآخر.

إن ضوابط تنفيذ الخلوة الشرعية للسجناء تختلف من دولة إلى أخرى، وبعض هذه التجارب تعتمد على توفير أماكن للخلوة الشرعية بجوار السجون، أو بإعطاء السجين إجازة يوم كل شهر للذهاب إلى منزله، بحراسة أو بدون حراسة، لقضاء الخلوة الشرعية ثم العودة... إلخ.

ومن بين تجارب تطبيق الخلوة الشرعية تجربة إقامة يوم عائلي داخل السجن يهدف إلى جمع أفراد الأسرة سويًا في مكان مُهيَّأ لاستقبالهم دون حواجز أو قيود؛ بقصد تحقيق مزيد من الاستقرار في حياة السجين وأسرته، كما يهدف هذا اليوم إلى حفظ أسرة السجين من الضياع، وتحويل السجون إلى دور إصلاح بدلًا من جعلها دورًا للعقوبة.

ومن بين التجارب تأتي تجربة دولة الكويت، التي قامت بتأسيس ما يسمى بـ(بيت العائلة)، وذلك بعد سنوات من المطالبة بهذا الحق من قبل نزلاء المؤسسات الإصلاحية والمنظمات والجمعيات الحقوقية بالكويت، حيث يُسمح للسجناء باستقبال عائلاتهم وتوفير الخلوة الشرعية بين الأزواج.

ومعظم تجارب الدول التي تنفذ موضوع (الخلوة الشرعية) تطبقها على السجين الذي تزيد فترة سجنه على ثلاثة أشهر.

ولقد أثبتت الدراسات أن سلوكيات المسجونين في هذه الحالات تنضبط، وأن المشكلات النفسية والاجتماعية والشرعية تصل إلى حدودها الدنيا داخل السجون وخارجها.

سادسًا: بعض مظاهر التعنت في حرمان السجين من حقه في الخلوة الشرعية

لا يفوتنا، ونحن بصدد هذا الموضوع، أن نذكر أن التعنت في منع السجين من حقه في الخلوة الشرعية قد بلغ ذروته؛ حيث طالبت بعض الدول بـ"إخصاء السجين" في بعض العقوبات، وكثير من الدول تضيف إلى أطعمة السجناء مواد تقضي على الرغبة الجنسية لديهم، وقد تؤدي بهم إلى العُقم، مما جعل بعض السجناء يحاولون الانتحار أو يلجؤون إلى الهروب من السجن بسبب هذه المشكلة وتبعاتها النفسية.

ولا يفوتنا أن نذكر أن التعنت من جانب قوات الاحتلال الصهيوني جعل بعض الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال يقومون بـ(تهريب النطف) ليتمكنوا من الإنجاب، وتتم الإجراءات مع النطف المُهرَّبة وفق ضوابط صارمة تُتخذ في هذا الشأن؛ منعًا لحدوث لغط، ومنعًا للوقوع في محاذير شرعية أو اجتماعية.

وبعد الحصول على فتاوى شرعية من عدد من العلماء الثقات تجيز الإنجاب عن طريق "النطف المُهرَّبة"، نجح العديد من الأسرى في تهريب نطفهم، ليتم من خلال هذه العمليات إنجاب 102 طفل فلسطيني حتى الآن...

ولقد سبق لنا أن تناولنا هذا الموضوع بالتفصيل في موضوع سابق: نُطفُ الأسرى تهزم السجان وتُسقط الفيلم المُسيء لها

سابعًا: تطوير في الشكل وتفريغ من المضمون

إن هناك اتجاهًا سائدًا حول العالم يقضي بتغيير مفهوم السجن من كونه مكانًا للعقاب وإهدار الكرامة الإنسانية إلى مكان للإصلاح وإعادة التأهيل، وظهر ذلك جليًّا في زيادة وتطوير أماكن العبادة، وأماكن التثقيف والترفيه والتأهيل المهني، كما تم تغيير المصطلحات المستخدمة في السجون لتتفق مع الاتجاه الجديد؛ فتم استبدال كلمة (سجن) بعبارة (مركز إصلاح وتأهيل)، كذلك تم استبدال كلمة (سجين/سجينة) بكلمة (نزيل/نزيلة)، وتم استبدال لقب (مأمور السجن) بلقب (مدير مركز الإصلاح والتأهيل)... إلخ.

إن هذا الاتجاه نحو التطوير سيظل شكليًّا وصوريًّا وفارغًا من المضمون، وسيظل مجرد شعارات جوفاء إذا لم يصحب كل ذلك تغييرٌ في أسلوب المعاملة التي تراعي الناحية الإنسانية للسجين بكل أبعادها، وفي قمة أولويات مراعاة الناحية الإنسانية تطبيق حق السجين في الخلوة الشرعية.

ثامنًا: ازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيق حق السجين في الخلوة الشرعية

إن الوقائع تؤكد أن وزارة الداخلية المصرية تطبق مبدأ الخلوة الشرعية بشكل انتقائي داخل بعض السجون، كمكافأة لبعض السجناء الجنائيين والسجناء من الشخصيات صاحبة النفوذ، وذلك حال تعاونهم مع السلطات، وحدث ذلك مع بعض المعتقلين من الجماعة الإسلامية بعد مبادرة وقف العنف التي أُبرمت بين السلطة ورموز الجماعة الإسلامية عام 1997م.

ومن أشهر حالات تمكين المعتقلين من الجماعات الإسلامية من حقهم في الخلوة الشرعية واقعة زواج الشيخ عمر عبد الرحمن -رحمه الله-، الزعيم الروحي لتنظيم الجماعة الإسلامية، في مستشفى سجن ليمان طره عام 1983م، ويُذكر أن زوجة الشيخ أنجبت له ولده "عمَّار" أثناء سجنه.

إن هذا الاتجاه نحو التطوير سيظل شكليًّا وصوريًّا وفارغًا من المضمون، وسيظل مجرد شعارات جوفاء إذا لم يصحب كل ذلك تغييرٌ في أسلوب المعاملة التي تراعي الناحية الإنسانية للسجين بكل أبعادها

وعلى النقيض من ذلك نجد تضييقًا على عموم السجناء، خاصة من يسمونهم "سجناء سياسيين"، في مسألة الخلوة الشرعية، واعتبارها سيفًا مُسلطًا على رقابهم، وورقة ضغط للمساومة على المبادئ والتنازل عن الحقوق.

ولقد بلغ التعنت في أمر تطبيق الخلوة الشرعية إلى الحد الذي جعل إحدى السيدات من صعيد مصر تقوم برفع دعوى قضائية يُسمح لها بموجبها بإجراء "عملية حقن مجهري" من زوجها المحكوم عليه بالمؤبد.

تاسعًا: العلاقة الشرعية بين الزوجين من وجهة نظر الطب

إن ممارسة العلاقة الشرعية بين الزوج والزوجة من الأمور الفطرية التي فطر الله تعالى عليها الإنسان وسائر الكائنات. وبالنسبة للإنسان، هناك بعض الهرمونات التي يفرزها الجسم من أجل تعزيز الرغبة الجنسية، وهذه الهرمونات هي: (الأستروجين، الدوبامين، النورأدرينالين، البروجستيرون، التستوستيرون، الأوكسيتوسين، والفاسوبريسن).

وممارسة العلاقة الحميمة بين الزوجين بشكل طبيعي ومنتظم لها عدة فوائد، تشمل:

• تعزيز جهاز المناعة، والوقاية من تقلصات عضلات الحوض، وتجنب الإصابة بسلس البول عند النساء، وتعزيز اللياقة البدنية، وتقليل مخاطر النوبات القلبية، وتخفيف الألم، وزيادة الشعور بالسعادة والمتعة، وتقليل الشعور بالتوتر والقلق، مما يساعد على تحسين نمط النوم.

أما بالنسبة لعدم ممارسة العلاقة الشرعية بين الزوجين بشكل طبيعي ومنتظم، فإن لها عدة أضرار، مثل:

• الهزال العام، وهشاشة العظام، وأمراض القلب، وتساقط الشعر، وانخفاض مستوى الطاقة العامة، وزيادة كمية الدهون في الجسم، وتغير المزاج العام، والإصابة بالاكتئاب.

عاشرًا: همسة ونصيحة لزوجات الأسرى والمعتقلين خاصة

إن الواقع يقول بأن الزوج ليس وحده هو الذي يُعتقل، بل إن أسرته بكاملها تكون في حكم المُعتقل طوال فترة اعتقاله؛ لأن الهدف الأساسي لدى أي نظام ظالم مُستبد هو تحقيق الردع العام، وإن شئت فقل: الوصول بسجناء الرأي إلى تجفيف أصلابهم وقطع نسلهم، لذا يمكننا -والحال كذلك- أن نصف المشهد ونقول: "الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون"، وعلى الجميع أن يصبروا ويحتسبوا ويثقوا في تدبير الله تعالى لهم.

والواجب على زوجة الأسير أو المعتقل -والحال كذلك- أن تراعي عدة نقاط أساسية:

1- أن تقوم بمزاولة بعض الأعمال التي توفر لها عائدًا ماديًّا، أو تقوم بممارسة بعض الأعمال التطوعية والخدمية والدراسية التي تشغل وقتها، وتجعلها عونًا لغيرها ومثالًا يُحتذى به.

2- أن تغرس في أبنائها الالتزام الأخلاقي والتفوق الدراسي، وكذلك تغرس فيهم ممارسة ما يُنمِّي مهاراتهم ويصقل شخصياتهم ويعينهم على الكسب.

3- أن تستشعر أن جهدها مأجور، وسعيها مشكور، وأن منزلتها عند الله كبيرة، وهذا يجعل زوجة الأسير أو المعتقل تتصرف بما تراه أرضى وأتقى لربها، وما تراه أنسب لحالتها وما يخصها من ظروف، وأن تحرص على التوازن بين العقل والعاطفة والمصالح والمفاسد.

حادي عشر: واجب المجتمع لدعم أسر السجناء والأسرى والمعتقلين

إن وسائل المجتمع لدعم أسر السجناء والأسرى والمعتقلين كثيرة، بدايةً من الدعم النفسي والمعنوي والمطالبة بحصولهم على حقوقهم في الخلوة الشرعية، مرورًا بالسعي في قضاء حوائجهم، وانتهاءً بكفالتهم كفالةً مادية كاملة أو حسب الجهد والاستطاعة.

كل حالة تُقدَّر بقدرها وفق رأي لجنة شرعية وقانونية واجتماعية يُسند إليها هذا الأمر، ولا مانع من الاستفادة من تجارب الدول التي لها السبق في هذا الشأن

كل ما سبق يجب أن يتم في إطاره الشرعي، وفي إطار العُرف الاجتماعي الصحيح، حتى لا نسيء، ولا نجرح، ولا نقع في محظور.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تَلِجوا على المُغيباتِ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يجري من أحدِكم مجرى الدَّمِ" (ابن حجر العسقلاني في هداية الرواة بإسناد حسن)

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "نهانا رسولُ اللهِ ﷺ أن ندخل على المُغيباتِ" (تخريج المسند لشعيب الأرناؤوط)

• المُغيبات: أي المرأة الأجنبية التي يكون زوجها غائبًا غير موجود.

أخيرًا أقول

من المؤكد أن السلطات، حين تمنع السجين من حقه في الخلوة الشرعية، فإنها تتعلل بأن هناك بعض الحالات الشائكة التي يصعب معها تنفيذ مبدأ الخلوة الشرعية، مثل حالات تعدد الزوجات أو وجود خلافات يترتب عليها امتناع الأزواج أو الزوجات عن تنفيذ الخلوة الشرعية... إلخ، ولكن كل ذلك لا يمنع الحق ولا يُسقطه عن الجميع، فكل حالة تُقدَّر بقدرها وفق رأي لجنة شرعية وقانونية واجتماعية يُسند إليها هذا الأمر، ولا مانع من الاستفادة من تجارب الدول التي لها السبق في هذا الشأن، وإن كانت التجارب قليلة ولا تؤدي المطلوب بصورة مُرضية.

تاريخ النشر: منذ أسبوعين

آخر تحديث: منذ ساعتين

مختارات من بصائر تربوية

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة