المعالجون تحت النار: كيف يواجه الأخصائيون النفسيون جراحهم في غزة؟
تحقيقات وحوارات خاصة
١٥ مايو ٢٠٢٦
١٢٩ مشاهدة
11 دقيقة قراءة

المعالجون تحت النار: كيف يواجه الأخصائيون النفسيون جراحهم في غزة؟

يعمل الاختصاصيون النفسيون والاجتماعيون على ترميم ما يمكن ترميمه في نفوس أهالي غزة الذين عايشوا الإبادة بكل تفاصيلها، بينما تتراكم جراحهم الخاصة بصمت، دون مساحة للحزن أو الأمان.

هؤلاء الذين يُفترض أنهم خطوط الدفاع النفسية الأولى في مواجهة الإبادة، يعيشون ذات التجربة التي يحاولون معالجتها لدى الآخرين؛ من نزوحٍ وفقدٍ ومجاعةٍ، وانعدامٍ لسبل الحياة.

ومع ذلك، يُبقون أبوابهم مفتوحة لمن يحتاج دعمهم، ويواصلون العمل في الخيام ومراكز الإيواء، ملتزمين بأخلاقيات المهنة، ويؤجّلون نجاتهم الشخصية إلى حينٍ ميسور.

من يداوي الجراح يبحث عمّن يداوي روحه

الاختصاصيون النفسيون خلال الإبادة: بين الواجب المهني والضغط الإنساني

ممارسة يومية للبقاء

توضح الاختصاصية هناء عوض، التي راكمت خبرة مهنية تمتد لأكثر من عشرين عامًا في مؤسسات فلسطينية مختلفة، أن الحرب الحالية شكّلت لحظة فاصلة في مسيرتها المهنية والإنسانية معًا.

وتشير إلى أن العمل النفسي في غزة خلال الإبادة لم يعد محكومًا بقواعد المهنة المعروفة، بل أصبح ممارسة يومية للبقاء، في ظل غياب الأمان والاستقرار وأبسط مقومات الحياة.

وتبيّن عوض أن النزوح المتكرر، الذي عانت منه على مدار أشهر طويلة، أفقدها القدرة على بناء أي روتين نفسي أو مهني، وجعل كل يوم يبدأ من نقطة الصفر في حياتها المهنية أو الشخصية.

وتلفت إلى أن المجاعة، وما رافقها من إنهاك جسدي وقلق دائم بشأن الغذاء، أثّرت بشكل مباشر على قدرتها على التركيز والاستمرار، في وقت كانت مطالبة فيه بالتماسك أمام حالات صدمة شديدة لدى الأطفال والنساء والعائلات.

وتشير إلى أن فقدان عدد كبير من الأقارب والأصدقاء نتيجة القصف لم يكن حدثًا يمكن تجاوزه أو تأجيله، بل تراكم كعبء ثقيل فوق العمل النفسي اليومي.

وتوضح أن الاختصاصي النفسي، في هذه الحرب، لا يملك رفاهية الحزن الكامل أو التعافي، بل يُطلب منه أن يكون حاضرًا ومتماسكًا، بينما هو يعيش الفقد نفسه.

وتشرح عوض أن سنوات الخبرة الطويلة لم توفّر حصانة نفسية، بل زادت من الإحساس بالمسؤولية والذنب المهني، إذ يشعر الاختصاصي بأنه لا يملك حق التراجع أو التوقف، حتى في لحظات الانهيار.

وتلفت إلى أن الصدمة الثانوية والاحتراق النفسي باتا واقعًا يوميًا، في ظل غياب الإشراف النفسي والدعم المؤسسي المنتظم.

يرمّمون أرواح الآخرين بينما تتآكل أرواحهم.. الوجه الخفي لمعاناة الأخصائيين النفسيين في غزة

انهيارات صامتة

وتحذّر من أن استمرار هذا النمط من العمل، دون اعتراف حقيقي بمعاناة الاختصاصيين أنفسهم، سيؤدي إلى انهيارات صامتة داخل منظومة الصحة النفسية، مؤكدة أن حماية المعالجين نفسيًا لم تعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة مهنية وإنسانية.

في حين يشرح الاختصاصي الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور، الذي يعمل في مجال الدعم النفسي والاجتماعي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، أن الحرب لم تضعه فقط في موقع الاستجابة لمعاناة الآخرين، بل دفعته قسرًا إلى قلب التجربة نفسها، حيث تلاشى الخط الفاصل بين كونه اختصاصيًا وكونه ضحية.

ويشير إلى أن القصف الذي استهدف منزل والده، وخروج أفراد عائلته من تحت الركام، شكّل صدمة أولى قاسية، لم تمنحه الحرب بعدها أي فرصة لاستيعابها أو التعافي منها.

ويلفت منصور إلى أن هذه التجربة لم تكن معزولة، إذ سرعان ما فقد منزله الذي كان يؤوي أسرته الصغيرة، ليجد نفسه في دوامة طويلة من البحث عن مأوى آمن، تنقّل خلالها بين أماكن متعددة على مدار شهور، قبل أن يستقر به الحال للعيش في خيمة.

ويوضح أن هذا الفقد لم يكن مجرد خسارة مادية، بل انهيارًا لشعور الأمان والاستقرار، في وقت كان يُطلب منه فيه أن يقدّم الإحساس ذاته للآخرين.

ويبيّن أن العمل في الدعم النفسي والإغاثي والترفيهي منذ الأيام الأولى للحرب جرى في ظل ضغط نفسي مركّب، حيث لم يكن الاختصاصي يعمل بعد أن يضمن سلامة أسرته أو تلبية حاجاته الأساسية، بل كان يذهب إلى الميدان وهو محمّل بالقلق والخوف والأسئلة المفتوحة.

ويشير إلى أن هذا الواقع خلق حالة استنزاف مستمرة، جعلت كل تدخل نفسي أو نشاط ترفيهي جهدًا مضاعفًا يتطلب طاقة لا يملكها دائمًا.

المعالجون تحت القصف.. حين يتحوّل الاختصاصي النفسي إلى ضحية حرب

ضغط نفسي مركّب

ويتابع أن العمل الإغاثي في هذه الظروف لا يتيح مساحة للحزن أو التفريغ، إذ يتحوّل الاختصاصي إلى عنصر استجابة دائمة، مطالبًا بالحضور النفسي والاجتماعي في الوقت الذي يفتقد فيه أبسط أشكال الاستقرار.

ويشير إلى أن هذا التداخل القاسي بين التجربة الشخصية والعمل الإنساني أفرز لحظات انهيار متكررة، لم تكن دائمًا مرئية أو معترفًا بها.

ويوضح أن غياب الدعم النفسي المتخصص للعاملين، وعدم وجود جلسات إشراف أو تفريغ نفسي منتظمة، جعلا هذه الانهيارات تتراكم بصمت، وتتحول إلى احتراق نفسي طويل الأمد.

وينبّه منصور إلى أن استمرار هذا النمط من العمل، دون تدخل مؤسسي جاد لحماية الصحة النفسية للعاملين، سيؤدي إلى إنهاك جماعي لا يقتصر أثره على الاختصاصيين أنفسهم، بل ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدّمة للمتضررين.

ويحذّر من أن الانسحاب من الميدان قد لا يكون جسديًا دائمًا، بل نفسيًا، حين يواصل الاختصاصي العمل وهو مستنزف، فاقدًا للقدرة على التعاطي العميق أو الاستجابة الفعالة.

فيما توضح الاختصاصية النفسية عطاف العبسي، التي عملت لأكثر من ثمانية عشر عامًا في مجال دعم النساء، أن الحرب لم تكتفِ بتوسيع حجم الصدمات النفسية لدى النساء في غزة، بل أعادت تشكيل طبيعة العمل النفسي ذاته، في ظل استهداف مركّب طال الجسد والدور الاجتماعي والمسؤوليات اليومية للنساء.

وتشير إلى أن الاختصاصيات النفسانيات لم يكنّ خارج هذا الاستهداف، بل وجدن أنفسهن داخل التجربة، يقدّمن الدعم وهنّ يعشن الألم ذاته.

وتلفت العبسي إلى أن فقدانها لعدد كبير من أفراد عائلتها نتيجة القصف لم يكن حدثًا يمكن تجاوزه أو فصله عن العمل، بل تحوّل إلى خلفية نفسية ثابتة ترافق كل جلسة دعم.

وتبيّن أن العمل مع نساء يعشن الفقد ذاته، بينما تعيش الاختصاصية التجربة نفسها، خلق حالة من التداخل العاطفي المعقّد، حيث يصبح ضبط المسافة المهنية تحديًا يوميًا في سياق إبادة مفتوحة.

وتشير إلى أن معاناة النساء خلال الحرب اتخذت أشكالًا متعدّدة، لا تقتصر على الصدمة المباشرة، بل تمتد إلى أعباء الرعاية القسرية، إذ تتحمّل النساء مسؤولية حماية الأطفال، وتأمين الغذاء، والحفاظ على تماسك الأسرة، في ظل المجاعة وغياب أشكال الحياة الأساسية.

الاختصاصيون النفسيون في غزة يواجهون الإبادة بصمتٍ وانكسار

جهد نفسي مضاعف

وتوضح أن القلق اليومي على الأطفال، وأوجاعهم الناتجة عن الجوع والمرض والخوف، شكّلت عبئًا نفسيًا مضاعفًا على النساء، وعلى الاختصاصيات اللواتي يعملن معهن في الوقت ذاته.

وتبيّن العبسي أن النساء اللواتي يلجأن للدعم النفسي يحملن صدمات مركّبة ومتراكمة، تشمل فقدان الأزواج أو الأبناء، وانعدام الخصوصية داخل مراكز الإيواء، والضغط الاجتماعي المتعلق بأدوارهن التقليدية، فضلًا عن الخوف الدائم من الانتهاك وانعدام الأمان.

وتشير إلى أن هذه الطبقات من الألم تجعل التدخل النفسي أكثر تعقيدًا، وتتطلب من الاختصاصية جهدًا نفسيًا مضاعفًا، في ظل نقص الموارد وغياب الاستقرار.

وتوضح أن الاختصاصيات النفسانيات العاملات مع النساء واصلن العمل في ظروف قاسية، رغم الإنهاك والانكسار الشخصي، بدافع شعور عميق بالمسؤولية تجاه النساء الأكثر هشاشة.

وتلفت إلى أن هذا الإصرار على الاستمرار غالبًا ما جاء على حساب الصحة النفسية للاختصاصيات أنفسهن، حيث تعرّضن لانهيارات نفسية متكررة في ظل غياب مساحات آمنة للتفريغ والدعم والإشراف المهني.

وتنبّه العبسي إلى أن تجاهل هذه المعاناة المركّبة للاختصاصيات العاملات مع النساء يهدّد استمرارية هذا القطاع الحساس، مؤكدة أن دعم المعالِجات نفسيًا ليس ترفًا ولا مسألة ثانوية، بل شرط أساسي لحماية النساء المتضررات أنفسهن.

وتشدد على أن انهيار من يقدّمن الدعم النفسي يعني ترك آلاف النساء في مواجهة صدمات الحرب دون سند، في لحظة تاريخية تتطلب أقصى درجات الحماية النفسية والاجتماعية.

تاريخ النشر: ١٥ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٥ ص

آخر تحديث: منذ 3 ساعات

مختارات من تحقيقات وحوارات خاصة

عن الكاتب

ديانا جمال

ديانا جمال

صحافية متخصصة في الإعلام المجتمعي. عملت كمحررة مسؤولة في مجلة السعادة -الاجتماعية- الصادرة بغزة منذ عام 2008 وحتى توقفها بفعل حرب الإبادة. تكتب في موقع المنصة المصري، وكالة نوى، وموقع رصيف 22، وتعمل بشكل جزئي كمحرر أخبار في وكالة شهاب الفلسطينية

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة