أطفال غزة... حين تتحول الطفولة إلى معركة بقاء
تحقيقات وحوارات خاصة
٢٢ مايو ٢٠٢٦
٨٤ مشاهدة
11 دقيقة قراءة

أطفال غزة... حين تتحول الطفولة إلى معركة بقاء

حين يُجبر الأطفال على لعب أدوار الكبار... كيف فرضت الإبادة "النضج القسري" على أطفال غزة

يكبر أطفال غزة بحجم "الصدمات" التي خلّفتها الإبادة المستمرة منذ أكثر من عامين، إذ تحوّل آلاف الأطفال من صغار ينتظرون الحماية إلى أطفال مثقلين بأدوار الكبار، يقفون في طوابير الخبز والماء بدل الذهاب إلى المدرسة، وينامون بأعين مفتوحة ليحرسوا عائلاتهم داخل خيام النزوح، وصغيرات يُطوين طفولتهن ليصبحن أمهات بديلات.

لم تكن حرب الإبادة الإسرائيلية مجرد قصف وقتل وتجويع، بل امتدت لتعيد تشكيل الطفولة نفسها، وتُسرّع نموّها قسرًا، فيجد الأطفال أنفسهم في أدوار مجتمعية أكبر من أعمارهم، يحملون مسؤوليات لا تتناسب مع قدراتهم النفسية والجسدية.

أطفال غزة... طفولة تُدفن تحت أعباء الكبار

رجل البيت

تشير بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة إلى أن الحرب الإسرائيلية رفعت عدد الأطفال الأيتام في قطاع غزة إلى نحو 57 ألف طفل، بعد أن فقد قرابة 40 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما خلال عامين من العدوان المتواصل، في حين وجد بعضهم نفسه الناجي الوحيد من بين أفراد عائلته.

وبحسب وكيل وزارة التنمية الاجتماعية المساعد في غزة، الدكتور رياض البيطار، فإن حرب الإبادة ضاعفت أعداد هذه الفئة الهشة أكثر من مرتين، في ظل استخدام قوات الاحتلال مختلف أنواع الأسلحة، وتواصل القتل والتدمير على نطاق واسع.

يقول حسام أبو سيف (13 عامًا): "الحرب خطفت منا كل شيء؛ المنزل، وأبي، وبعض إخوتي، وكل الأحبة والجيران وأصدقاء الدراسة"

ويضيف، بينما يدور بصره حول الخيمة الصغيرة المزدحمة التي أصبحت بيتهم منذ بدء الإبادة: "في لحظة واحدة، ومع صاروخ واحد استهدف شقتنا السكنية، تغيّر كل شيء في حياتي، وانتقلت من طفل مدلل يتوسط إخوته إلى طفل مسؤول عن بقية من تبقى من العائلة بعد استشهاد أبي وأخي الأكبر.

اضطررنا للعيش في المخيم، ومهامي اليومية لا تنتهي: أجمع الحطب، أوقد النار، أقف في طوابير الماء والخبز والمساعدات الغذائية، وأعمل غالبية الوقت بائعًا متجولًا حتى أستطيع توفير بعض الاحتياجات"

ويتابع: "أستيقظ في الليل على صوت الانفجارات، أصرخ في داخلي، لكن يجب أن أتماسك، فأنا لم أعد طفلًا، ومطلوب مني أن أكون قويًا أمام إخوتي الصغار. تخبرني أمي في كل صباح أنني رجل البيت وسندها"

في حين تقول ريم أبو شنب (15 عامًا) إن الحرب كتبت عليها حياة أخرى لم تكن تتخيلها، بدأت عندما قُصفت العمارة السكنية الخاصة بهم، واستشهد ثلاثة من إخوتها وزوجاتهم، تاركين وراءهم تسعة أيتام تتولى والدتها المسنّة رعايتهم.

وتشير إلى الخيمة الضيقة التي يسكنونها قائلة: "فجأة وجدت نفسي هنا مع والدتي وتسعة أيتام بلا أب أو أم. تذهب أمي لجلب الطعام والماء والمساعدات والخبز، بينما أقوم أنا بالطبخ والغسيل وتعليم الأطفال وحمايتهم من الخطر"

وتضيف: "فقدت طفولتي بالكامل، وأُجبرت على القيام بدور أم بديلة لتسعة أطفال دفعة واحدة، وليس أمامي خيارات أخرى، فلا يمكنني تركهم دون عناية"

"رجل البيت" في الثالثة عشرة... هكذا تصنع الإبادة النضج القسري

لا تشبه طفولته

يروي يوسف قدورة (14 عامًا) كيف حوّلت الحرب حياته من طفل حالم وطموح إلى شخص عابر يقضي غالبية نهاره في القيام بمهام لا تشبه طفولته.

يقول لـ"بصائر": "مطلوب مني الاصطفاف منذ أكثر من عامين في طوابير جلب الماء والخبز والمساعدات الغذائية.

مطلوب مني حماية أمي وشقيقاتي، ومراقبة إخوتي ومن يجلسون بين الخيام، ومعرفة إلى أين يذهبون وماذا يفعلون، وإيصالهم إلى النقاط التعليمية، وإصلاح الخيمة وصيانة خيمة الحمام، وإشعال النار، وفعل كل ما يمكنني فعله لتظل أمي بخير"

ويصف يوسف مهامه بأنها "مهلكة"، لكنه يضيف: "لا يمكنني الاعتراض أو التذمر، فأنا الابن الأكبر ورجل الخيمة بعد استشهاد والدي"

في هذا السياق، تقول الدكتورة ختام أبو عودة، اختصاصية في علم التربية، إن الحرب لم تغيّر حياة الغزيين جراء القصف والقتل والجوع وغياب كل أوجه الحياة فقط، بل تعدّت الإبادة ذلك لتغيّر أنماط وأدوار الأطفال في المجتمع بأسره.

وتضيف أن عشرات الآلاف من الأطفال تحوّلوا من صغار يعتمدون على الأمان والرعاية إلى مناضلين صغار في مواجهة واقع وظروف قاسية، يتحملون مسؤوليات لا تناسب أعمارهم، ويُجبرون على التكيّف مع فقدان آبائهم أو أمهاتهم أو كليهما.

لم يكن هذا "النضج" خيارًا، بل نتيجة قسرية لتطهير عرقي لم يفرّق بين طفل وبالغ، أو بين صبي وفتاة، وسرق منهم أبسط حقوقهم.

وتتابع: "مع كل يوم يمر، ومع كل فقد جديد، تتآكل مساحة الطفولة بصمت، ليصبح التحمّل والواجب بديلًا عن اللعب، ويُكبت الخوف بدل التعبير عنه، بينما تتشكّل شخصياتهم على أساس الصمود القسري أكثر من الرغبة والطموح"

وتوضّح أبو عودة أن ما يعيشه أطفال غزة اليوم هو نتيجة مباشرة لإبادة جماعية لم تفرّق بين رجل وامرأة، ولا بين طفل وجنين، إذ وجد آلاف الأطفال أنفسهم يعيشون أدوارًا تفوق أعمارهم ومقدراتهم النفسية والجسدية، في ظاهرة يصفها مختصون بـ"النضج القسري"

من اللعب إلى النجاة... كيف سرقت الحرب أعمار أطفال غزة

"ترف غير مسموح"

تشير أبو عودة إلى أن الصبيان في غزة باتوا يُدفَعون قسرًا إلى أدوار الحماية والإنفاق واتخاذ القرار، خصوصًا في ظل فقدان الآباء، مؤكدة أن الطفل هنا "لا يختار الرجولة، بل تُفرض عليه"، فيُطالَب بالتماسك وكبت الخوف، ويُدرَّب اجتماعيًا على لغة القوة والصمت.

وتضيف أن اللعب يتحول إلى "ترف غير مسموح"، بينما يُكافأ الطفل كلما بدا أكثر صلابة وأقل تعبيرًا عن ضعفه. هذا الضغط الاجتماعي، بحسبها، لا يصنع شخصية قوية بقدر ما يؤسس لنمط داخلي من القلق المكبوت والشعور الدائم بالواجب.

وعن تجربة البنات، توضّح أبو عودة أن النضج القسري يتخذ شكلًا مختلفًا، لكنه لا يقل قسوة، إذ وجدت الكثيرات منهن أنفسهن في موقع الأم البديلة: يرعين الإخوة، وينظمن شؤون البيت، ويؤجلن احتياجاتهن العاطفية والشخصية.

وترى أن هذا التداخل بين الطفولة والأمومة القسرية يُنتج أنثى "تعتاد العطاء قبل أن تتعلم الأخذ"، ما يترك أثرًا طويل المدى على صورة الذات، وعلى فهم الأنوثة بوصفها تضحية دائمة لا خيارًا.

وتؤكد أن المجتمع، في كثير من الأحيان، يُضفي على هذا الدور طابعًا إيجابيًا، متجاهلًا الكلفة النفسية العميقة.

وتحذّر أبو عودة من أن أخطر ما في النضج القسري ليس ما يظهر على السطح، بل ما يُخزَّن داخليًا، فالطفل الذي يُحرَم من المساحة الآمنة للخطأ واللعب والتعلّم، ينمو وهو يشعر أن قيمته مرتبطة بقدرته على التحمّل لا بكونه طفلًا.

وتلفت إلى أن هذا المسار قد يؤدي إلى إنهاك نفسي مبكر، وشخصية قائمة على الواجب أكثر من الرغبة، وعلى تلبية الآخرين قبل فهم الذات.

وفي حديثها عن دور التربية في ظل واقع لا يمكن إيقافه، تميّز أبو عودة بين تعليم المسؤولية بوصفه قيمة تربوية، وتحميل العبء بوصفه انتهاكًا نفسيًا، مؤكدة أن التربية في سياق الإبادة مطالبة بأن تكون ترميمية لا مثالية.

وترى أن دور الأسرة، والنقاط التعليمية البديلة، والمساحات المجتمعية، يكمن في إتاحة لحظات "طفولة جزئية"، تسمح للطفل بالتعبير عن الخوف والحزن، لا مكافأته على الصمود الصامت فقط. فالسماح بالبكاء، واللعب، والقول: "أنا متعب"، هو في حد ذاته فعل حماية مطلوب.

وتختم أبو عودة بالتأكيد على أن ما يعيشه أطفال غزة ليس ظرفًا تربويًا استثنائيًا، بل نتيجة مباشرة لإبادة خلّفت آلاف الأيتام؛ بعضهم بلا أب أو أم، وبعضهم بلا والدين معًا. وتشدد على أن هذا الواقع لا يصنع أطفالًا أقوى، بل أطفالًا أكبر من أعمارهم، يحملون ما لا يُفترض أن يحمله طفل، فالطفل الذي يكبر قبل أوانه لا يربح الوقت، بل "يخسر جزءًا من نفسه"

وتؤكد أبو عودة أن حماية الطفولة اليوم تبدأ بالاعتراف بأن هذا النضج لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضها العنف وتداعيات الإبادة المتراكمة.

تاريخ النشر: ٢٢ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٧ ص

آخر تحديث: منذ 20 ساعة

مختارات من تحقيقات وحوارات خاصة

عن الكاتب

ديانا جمال

ديانا جمال

صحافية متخصصة في الإعلام المجتمعي. عملت كمحررة مسؤولة في مجلة السعادة -الاجتماعية- الصادرة بغزة منذ عام 2008 وحتى توقفها بفعل حرب الإبادة. تكتب في موقع المنصة المصري، وكالة نوى، وموقع رصيف 22، وتعمل بشكل جزئي كمحرر أخبار في وكالة شهاب الفلسطينية

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة