العلم في الصغر كالنقش في الحجر
خواطر تربوية
٢٥ مايو ٢٠٢٦
١١٦ مشاهدة
8 دقيقة قراءة

العلم في الصغر كالنقش في الحجر

يُعَدُّ طلبُ العلم من أشرف الأعمال وأعظم القُرُبات، وقد رفع الله تعالى به منزلة الإنسان وميَّزه عن غيره من المخلوقات. وإذا كان العلم مطلوبًا في كل مراحل العمر، فإن تعلُّمَه في سنِّ الصغر أرسخ أثرًا وأعظم نفعًا؛ لأن مرحلة الطفولة والصِّبا هي زمن صفاء الذهن، وقوة الحفظ، وسرعة التلقي. والطفل في سنواته الأولى يكون أكثر قابلية للتعلُّم، وأسرع حفظًا، وأشدَّ تأثرًا بما يُلقَّن له. فالعقل في الصغر صفحة بيضاء، وما يُكتب عليها في تلك المرحلة يبقى أثره ممتدًّا إلى الكِبَر.

ثم لا شك أن الإنسان كلما كبر ازداد فهمه، ونضج عقله، واتسع إدراكه، غير أن كثرة المسؤوليات، وتراكم الهموم، وانشغالات الحياة، تحول بينه وبين التفرغ للعلم وضبطه وحفظه. أما الصغير، فعقله خالٍ من هذه المشاغل، وقلبه أقرب إلى الحفظ والاستيعاب، ولذلك كان ما يتعلمه في هذه المرحلة ثابتًا راسخًا، حتى قيل: "العلم في الصغر كالنقش على الحجر"، أي لا يزول بسهولة. وعلى العكس من ذلك، فإن التعلُّم في الكِبَر يشبه النقش على الماء، سرعان ما يمحوه تيار الانشغالات.

ولهذا كانت العناية بتعليم الصغار من أعظم الواجبات التربوية والاجتماعية؛ لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء فكره، ولا بناء للفكر إلا بالعلم النافع.

العقل في الصغر صفحة بيضاء، وما يُكتب عليها في تلك المرحلة يبقى أثره ممتدًّا إلى الكِبَر

وقد أولى الإسلام العلم عناية عظيمة، فكان أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].

وفي هذا دلالة واضحة على أن العلم هو أساس النهضة والهداية. كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

فبيَّن فضل أهل العلم وعلوَّ مكانتهم، والفرق العظيم بين أهل العلم وغيرهم يبدأ منذ الصغر، حين يُنشَّأ الطفل على حب المعرفة والسؤال والتعلُّم.

ومن الآيات الدالة كذلك على فضل العلم وأثره في رفعة صاحبه قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

فالرفعة في الدنيا والآخرة ثمرة من ثمار العلم، وكلما كان العلم مبكرًا كان أثره أعمق وأبقى.

العلم في الصغر كالنقش على الحجر، أما التعلم في الكِبَر فكالنقش على الماء

أما السنة النبوية الشريفة، فقد حفلت بالأحاديث التي تحث على طلب العلم وتُبرز مكانته. قال رسول الله ﷺ: "طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم"، وهذا الحديث يشمل الصغير والكبير؛ لأن الفريضة لا تقتصر على عمر دون عمر، بل تبدأ منذ أن يعقل الإنسان ويدرك.

وقال ﷺ أيضًا: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة". وهذا الحديث يدل على أن العلم طريق إلى الخير والنجاح في الدنيا والآخرة، وأن من اعتاد سلوك هذا الطريق منذ صغره كان أقرب إلى الاستقامة والصلاح.

والتاريخ يشهد بأن كثيرًا من العلماء العظام بدأوا طلب العلم في سن مبكرة، فحفظوا القرآن وهم أطفال، وتلقَّوا العلوم في صغرهم، فصاروا أئمة يُقتدى بهم؛ لأن ما تعلّموه في طفولتهم كان ثابتًا راسخًا في عقولهم. فالإمام الشافعي، رحمه الله، حفظ القرآن وهو صغير، وكان لذلك أثر بالغ في نبوغه العلمي وتميّزه.

ومنهم الإمام الشافعي، وهو القائل:

ومن لم يذق مُرَّ التعلم ساعةً ** تجرَّع ذلَّ الجهل طول حياته

ومن فاته التعليم وقت شبابه ** فكبِّر عليه أربعًا لوفاته

ففي هذه الأبيات بيان واضح أن صبر الإنسان على مشقة العلم في الصغر أهون بكثير من معاناة الجهل في الكِبَر، وأن من أضاع فرصة التعلُّم في شبابه فقد خسر خسارة عظيمة.

ولا يقتصر أثر العلم في الصغر على الجانب المعرفي فقط، بل يشمل الجانب الأخلاقي والسلوكي أيضًا. فالطفل الذي يُربّى على العلم يُربّى على الانضباط، وحب النظام، واحترام الوقت، والبحث عن الحق، وكلها قيم تصنع إنسانًا نافعًا لنفسه ومجتمعه.

الاهتمام بتعليم الصغار هو استثمار حقيقي في مستقبل الأمة

وتقع على الآباء والمربين مسؤولية كبيرة في توجيه الأبناء إلى حب العلم، وتعويدهم الصبر على طلبه، وتشجيعهم على الجد والاجتهاد، قبل أن تأتيهم أيام تشغلهم عن ذلك. كما يجب أن يُغرس في نفوس الصغار الإخلاص في طلب العلم، بحيث تكون نيتهم إرضاء الله تعالى، والعمل بعلمهم فيما ينفع الناس، لا طلب الشهرة أو التفاخر.

فقد قال النبي ﷺ: "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، يعني ريحها.

وخلاصة القول، إن مقولة: "العلم في الصغر كالنقش على الحجر" ليست مجرد حكمة متداولة، بل هي حقيقة تؤكدها التجربة، ويشهد لها الشرع والعقل معًا. فالعلم في الصغر هو الأساس المتين الذي يُبنى عليه مستقبل الإنسان، وبه تُصنع العقول الواعية والأجيال الصالحة.

ومن هنا، فإن الاهتمام بتعليم الصغار، دينيًّا ودنيويًّا، هو استثمار حقيقي في مستقبل الأمة، وطريق أكيد نحو التقدُّم والرقي.

تاريخ النشر: ٢٥ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٥ م

آخر تحديث: منذ 3 ساعات

مختارات من خواطر تربوية

عن الكاتب

هدى عبد الرحمن النمر

هدى عبد الرحمن النمر

كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة