خير عمل في خير أيام من خير ناس في خير أرض!
خواطر تربوية
٢٣ مايو ٢٠٢٦
١٤٢ مشاهدة
9 دقيقة قراءة

خير عمل في خير أيام من خير ناس في خير أرض!

ربما يظن قارئ العنوان أننا نقصد بخير عمل (عمل الحج)، ونقصد بخير أيام (الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة)، ونقصد بخير ناس (الحجيج)، ونقصد بخير أرض (أرض الله الحرام حول بيته الحرام).

وهذا الذي يظنه قارئ العنوان هو حق، إلا أنه غير مقصود هنا.

فنحن نقصد بخير الأعمال هنا (الجهاد في سبيل الله)، ونقصد بخير الأيام (الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة) كما يُظن من العنوان، ونقصد بخير الناس (أهل الرباط والجهاد ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)، ونقصد بخير الأرض (أرض بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).

فإن كان الحج في هذه الأيام هو خير عمل بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر)، مع التأكيد على أن المقصود الأصلي بالعمل في هذا الحديث هو عمل الحج، والتأكيد أيضا على فضل الأعمال عموما في هذه الأيام لغير الحجيج من صلاة وصيام وصدقة ونحر وغير ذلك.

إن كان الحج هو خير عمل في هذه الأيام، فإن الجهاد هو خير الأعمال مطلقا في أي وقت، في هذه الأيام وفي غيرها، كما جاء في أكثر من حديث، ومنها لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير الأعمال فقال (الجهاد في سبيل الله)، وكما قال في حديث آخر أن (ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله).

ولذلك ختم الرسول صلى الله عليه وسلم الحديث الذي قال فيه: (ما من أيام ......) لما سئل فيه (ولا الجهاد) بقوله (ولا الجهاد، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).

وعموما، فإن الذي لا جدال فيه، أن الجهاد هو أفضل أعمال الإسلام وأعلاها أجرا. ولو اجتمع الجهاد مع الحج في وقته، فخرج رجل بنفسه وماله مجاهدا في سبيل الله، وخرج آخر حاجا إلى بيت الله، مع توجب الجهاد في ذلك الحين، فإن المجاهد يكون أعلى أجرا من الحاج، حتى وإن رجع المجاهد من جهاده بنفسه وماله؛
لأن الجهاد هو أفضل أعمال الإسلام، وهو الفريضة الأولى التي لا تُقدم عليها فريضة أخرى، إن حان وقتها، ووجب أداؤها، وانتفت موانعها.

ومعنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم في اشتراط عدم الرجوع من الجهاد لا بالنفس ولا بالمال من أجل تحقيق أفضلية الجهاد على الحج، يُفهم في سياق أن الجهاد ليس واجبا في وقته، وليس جهاد دفع، دخلت فيه أمم الكفر إلى ديار الإسلام فقتلوا وهدموا.

فإن دخلت أمم الكفر ديار الإسلام _ كما هو اليوم_ فقتلوا وهدموا، واستباحوا المقدسات؛ كالمسجد الأقصى، فلا فضيلة لأي عمل على الجهاد، ولا حتى الحج، حتى وإن رجع المجاهد من جهاده_ بعد ثباته وإخلاصه_ بنفسه وماله.

إن دخلت أمم الكفر ديار الإسلام _ كما هو اليوم_ فقتلوا وهدموا، واستباحوا المقدسات؛ كالمسجد الأقصى، فلا فضيلة لأي عمل على الجهاد، ولا حتى الحج، حتى وإن رجع المجاهد من جهاده_ بعد ثباته وإخلاصه_ بنفسه وماله

وخير الأيام التي نقصدها _ ولا يُقصد غيرها _ هي الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة، التي أقسم الله بها في قوله: (والفجر وليال عشر)، والتي ذكر فضلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أحاديث؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل أيام الدنيا العشر) كما ورد في الترغيب والترهيب، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الأيام عند الله يوم النحر) كما ورد في السنن.

وخير الناس الذين نقصدهم هنا، كما جاء في أحاديث رسول الله هم أهل بيت المقدس وأكنافه من أهل الشام، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي قال فيه: (إن الله عز وجل يقول: يا شام أنت صفوتي من بلادي، أدخل فيك خيرتي من عبادي) رواه أبو داوود والطبراني.

وكما جاء في الحديث الآخر الذي يؤكد على خيرية هؤلاء الناس، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، فلما سئل صلى الله عليه وسلم: أين هم؟ قال (ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) وهو حديث مروي في الصحاح.

وخير الأرض التي نقصدها هنا، هي أرض بيت المقدس وأكنافه، وهي خير الأرض من بعد أرض الله الحرام حول مسجده الحرام، وأرض المسجد النبوي الذي صلى فيه ودفن فيه سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم.

وخيرية المسجد الأقصى وردت أولا في كتاب الله، حيث قال في أول سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله).

ووردت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها لما سئل عن أول المساجد في الأرض، فقال: المسجد الحرام، ثم سئل: ثم ماذا؟ فقال: المسجد الأقصى.

ومنها حديثه المشهور عن شد الرحال، وأنها لا تكون _كما ورد في الحديث_ إلا إلى المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى.

ومنها حديثه المشهور أيضا عن مضاعفة أجر الصلاة في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي وفي المسجد الأقصى، كلٌّ حسب فضله وترتيبه.

قضية المسجد الأقصى وبيت المقدس وأكنافه هي قضية المسلمين الأولى في هذا العصر، أو هي جزء كبير وأساسي من قضيتهم الأولى؛ إن قصدنا بقضيتهم الأولى قضية عودة خلافتهم وتحكيم شريعهم وتثبيت سيادتهم.

قضية المسجد الأقصى وبيت المقدس وأكنافه هي قضية المسلمين الأولى في هذا العصر، أو هي جزء كبير وأساسي من قضيتهم الأولى؛ إن قصدنا بقضيتهم الأولى قضية عودة خلافتهم وتحكيم شريعهم وتثبيت سيادتهم

فقضية تحرير المسجد الأقصى هي البداية لعودة الخلافة والشريعة والسيادة، أو تكون عودة الخلافة هي البداية لتحرير المسجد الأقصى. وأغلب الظن على ما هو ظاهر أن تحرير المسجد الأقصى ونهاية دولة إسرائيل سيكون الشرارة التي ستشعل بركان الأمة؛ الذي سيحرق كل باطل، وينشئ من بعده كل حق وخير وجمال.

ولا يجب بأي حال من الأحوال، أن يشغلنا أي شاغل عن قضية تحرير المسجد الأقصى؛ لأنها قضيتنا الأولى كما قلنا، أو هي الجزء الكبير والأساسي من قضيتنا الأولى.

وإن ما فعله ويفعله المجاهدون حول المسجد الأقصى، من التضحية بالنفس والمال والولد، لهو العمل الذي لا يفضله عمل أبدا، في أي وقت، وفي أي مكان، وبأي كيفية.

لا يجب أن يشغلنا عن هذه القضية أي شاغل، ولا حتى شاغل العبادة، إذا ما كان شاغل العبادة سيُقعدنا عن واجب الوقت، من جهاد العدو ومدافعته.

وشاغل العبادة لا يشغل عن شاغل الجهاد، بل إن شاغل العبادة هو الشاغل الذي يضحي فيه المؤمنون الصالحون بجزء من أنفسهم وأموالهم في الصلاة والصيام والصدقة من أجل الاستعداد للتضحية بكل أنفسهم وأموالهم في الجهاد.

والذي يترك العبادة إن حان وقتها هو من سيترك الجهاد إن حان وقته، فإن حان وقتهما معا، وكان الجهاد جهاد دفع، فلا يفضلُ على الجهاد شيء، ولا يُقدم على الجهاد شيء.

تاريخ النشر: ٢٣ مايو ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٤ ص

آخر تحديث: منذ 3 ساعات